سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٤٨ - الثامن عشر في الكلام على السّدرة و إضافتها إلى المنتهى
ابن القيّم: «أخبر تعالى عن رؤيته لجبريل مرة أخرى. فالمرة الأولى كانت دون السماء بالأفق الأعلى و الثانية كانت فوق السماء عند سدرة المنتهى».
ابن كثير: «هذه هي المرة الثانية التي رأى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) فيها جبريل على صورته التي خلقه اللّه عليها، و كانت ليلة الإسراء ... و تقدم عن ابن عباس رضي اللّه عنهما أنه كان يثبت الرؤية ليلة الإسراء و يستشهد بهذه الآية، و تابعه جماعة من السلف و الخلف، و قد خالفه جماعات من الصحابة و التابعين». قلت و سيأتي تحقيق ذلك في بابه.
اللباب: «الواو في «و لقد» يحتمل أن تكون عاطفة، و يحتمل أن تكون للحال، أي كيف تجادلونه فيما رآه، و هو قد رآه على وجه لا شك فيه؟ و النّزلة فعلة من النزول كجلسة من الجلوس، و في نصبها ثلاثة أوجه: أحدها: أنها منصوبة على الظّرف الذي هو مرّة، لأن الفعلة اسم للمرّة من الفعل، فكانت في حكمها. قال الشهاب الحلبي: و هذا ليس مذهب البصريين، و إنما هو مذهب القرّاء، نقله عنه مكي. الثاني: أنها منصوبة نصب المصدر الواقع موقع الحال، أي رآه نازلا نزلة أخرى، و إليه ذهب الحوفي و ابن عطية الثالث: أنها منصوبة على المصدر المؤكد، فقدّره أبو البقاء مرة أخرى أو رؤية أخرى. قال الشهاب الحلبي: و في تأويل نزلة برؤية، نظر، و أخرى تدل على سبق رؤية قبلها، و عند سدرة المنتهى ظرف مكان لرأى».
الثامن عشر: في الكلام على السّدرة و إضافتها إلى المنتهى.
قال الإمام الرازي: «يحتمل وجوها: أحدها: إضافة الشيء إلى مكانه كقولك: أشجار بلدة كذا، فالمنتهى حينئذ موضع لا يتعداه ملك أو روح من الأرواح. قال كعب الأحبار: هي في أصل العرش على رؤوس حملة العرش، و إليها ينقضي علم الخلائق و ما خلفها بحيث لا يعلمه إلا اللّه تعالى. ثانيها: إضافة المحلّ إلى الحالّ فيه، كقولك: كتاب الفقه، و على هذا فالتقدير: سدرة عندها منتهى العلوم. ثالثها: إضافة الملك إلى مالكه كقولك: دار زيد أو شجرة زيد، و حينئذ المنتهى إليه محذوف تقديره: سدرة المنتهى إليه. قال اللّه تعالى: وَ أَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى [النجم: ٤٣]. فالمنتهى إليه هو اللّه تعالى، و إضافة السدرة إليه حينئذ كإضافة البيّنة للتشريف و التعظيم، كما يقال في التسبيح: يا غاية رغباه و يا منتهى أملاه».
القرطبي: «اختلف لم سمّيت سدرة المنتهى على أقوال تسعة: الأول لأنه ينتهي إليها ما نهبط من فوقها فيقبض منها و إليها ينتهي ما يعرج من الأرض، رواه مسلم عن عبد اللّه بن مسعود. الثاني: علم الأنبياء ينتهي إليها و يعزب عما وراءها، قاله ابن عباس. الثالث: أن الأعمال تنتهي إليها و تقبض منها، قاله الضّحّاك. الرابع: لانتهاء الملائكة و الأنبياء إليها