سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٤٦ - السادس عشر في الكلام على قوله تعالى
ابن القيّم: فيكون المعنى: ما كذّب فؤاده رؤيته، و على التقديرين فهو إخبار عن تطابق رؤية القلب لرؤية البصر و توافقهما، و تصديق كل واحد منهما لصاحبه، و هذا ظاهر في قراءة التشديد. و قد استشكلها طائفة منهم المبرّد، و قال في هذه القراءة بعد، لأنه إذا رأى بقلبه فقد علمه أيضا بقلبه، و إذا وقع العلم فلا كذب معه، فإذا كان الشيء في القلب معلوما فكيف يكون معه تكذيب؟.
و الجواب عن هذا من وجهين: أحدهما: أن الرجل قد يتخيل الشيء على خلاف ما هو به فيكذّبه قلبه، إذ يريه صورة المعلوم على خلاف ما هي عليه كما تكذبه عينه، فيقال كذبه قلبه و كذبه ظنّه و كذبته عينه، فنفى ذلك سبحانه و تعالى عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، و أخبر أن ما رآه الفؤاد كما رآه، كمن يرى الشيء على حقيقة ما هو به، فإنه يصح أن يقال لم تكذبه عينه.
الثاني: أن يكون الضمير في «رأى» عائد إلى الرائي لا إلى الفؤاد، و يكون المعنى: ما كذب الفؤاد ما رآه البصر، و هذا بحمد اللّه لا إشكال فيه، و المعنى: ما كذب الفؤاد بل صدّقه، و على القراءتين فالمعنى: ما أوهمه الفؤاد أنه رأى و لم ير و لا اتّهم بصره». انتهى.
اللباب تبعا للإمام الرازي: «و يجوز أن يكون فاعل «رأى» ضميرا يعود على الفؤاد [أي] لم يشك قلبه فيما رأى بعينه». قال الزمخشري: [ما كذب فؤاد محمد (صلّى اللّه عليه و سلم) ما رآه ببصره من صورة جبريل (عليه السلام)، أي ما قال فؤاده، لما رآه: لم أعرفه و لو قال ذلك لكان كاذبا، لأنه عرفه، يعني أنه رآه بعينه و عرفه بقلبه و لم يشك في أن ما رآه حق].
فما كذب الفؤاد، هذا على قراءة التخفيف، يقال كذبه إذا قال له الكذب، و أما على قراءة التشديد فمعناه: ما قال إن الذي رآه كان خفيا لا حقيقة له. و أما الرائي فقيل هو الفؤاد كأنه تعالى قال: ما كذب الفؤاد ما رآه الفؤاد، أي لم يقل إنه جنّ أو شيطان، بل تيقّن أن ما رآه بفؤاده صدق صحيح. و قيل الرائي هو البصر أي ما كذب الفؤاد ما رآه البصر، و لم يتدارك أن ما رآه البصر خيال. و يحتمل أن تكون «أل» للجنس أي جنس الفؤاد، و يكون المعنى: ما كذب الفؤاد ما رأى محمد (صلّى اللّه عليه و سلم)، أي شهدت القلوب بصحة ما رآه محمد (صلّى اللّه عليه و سلم).
و اختلفوا في المرئي ما هو؟ فقال ابن مسعود رضي اللّه تعالى عنه: رأى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) جبريل عليه حلّتا رفرف أخضر قد ملآ ما بين السماء و الأرض. رواه الفريابي و الترمذي و صححه. و قيل رأى الآيات العجيبة. و قال ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما: رأى ربّه بفؤاده مرّتين، رواه مسلم و غيره. و سيأتي الكلام على رؤية اللّه تعالى في الباب الثالث.
السادس عشر: في الكلام على قوله تعالى: أَ فَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى
[النجم: ١٢].