سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٦١ - تنبيهات
رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) لسألته، فقال: عن أي شيء كنت تسأله، قال: كنت أسأله: هل رأى ربه تبارك و تعالى.
قال: إني قد سألته قلت: يا رسول اللّه: هل رأيت ربك؟ فقال: نور أنّى أراه»
و في رواية: رأيت نورا.
تنبيهات
الأول: قال جماعة: لم تنف عائشة وقوع الرؤية بحديث مرفوع، و لو كان معها لذكرته، و إنما اعتمدت الاستنباط على ما ذكرت من ظاهر الآية و ما قالوه غفلة عن قولها: إنها سألت النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) عن ذلك
فقالت: يا رسول اللّه هل رأيت ربك؟ فقال: إِنما رأَيتُ جبريل منهبطاً.
الثاني: من قال: إن النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) خاطبها على قدر عقلها، و من حاول تخطئتها فيما ذهبت إليه فهو مخطئ قليل الأدب.
الثالث: قول ابن الجوزي: «إن أبا ذرّ سأل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) قبل الإسراء، فأجابه بما أجابه، و لو سأله بعد الإسراء لأجابه بالإثبات، ضعيف جدا، فإن عائشة رضي اللّه عنها سألته بعد الإسراء و لم تثبت لها الرؤية».
الرابع: احتجاج عائشة بالآية خالفها فيه ابن عباس، فروى الترمذي و حسّنه من طريق الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس قال: محمد رأى ربه. قلت: أليس اللّه تعالى يقول:
«لا تدركه الأبصار»؟ قال: «ويحك، ذلك نوره إذا تجلّى بنوره الذي هو نوره، و قد رأى ربّه مرّتين». و الحاصل أن المراد بالآية الإحاطة به عند رؤيته، لا نفي أصل رؤيته. و قال النووي:
المراد بالإدراك الإحاطة، و اللّه تعالى لا يحاط به، و إذا ورد النص بنفي الإحاطة لا يلزم منه نفي الرؤية بغير إحاطة، و أما احتجاجها بقوله تعالى: وَ ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً [الشورى: ٥١] فالجواب عنه من أوجه: أحدها: أنه لا يلزم مع الرؤية وجود الكلام حال الرؤية، فيجوز وجود الرؤية من غير كلام، الثاني: أنه عام مخصوص بما تقدم من الأدلة، الثالث: ما قال بعض العلماء إن المراد بالوحي هنا الكلام من غير واسطة، و أن القول و إن كان محتملا لكن الجمهور على أن المراد بالوحي هنا الإلهام و الرؤيا في المنام و كلاهما يسمى وحيا. و أما قوله تعالى أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ. فقال الواحدي و غيره بمعناه غير مجاهر لهم بالكلام بل يسمعون كلامه تعالى من حيث لا يرونه، و ليس المراد أن يكون هناك حجاب يفصل موضعا عن موضع، و يدل على تحديد المحجوب، فهو بمنزلة ما يسمع من وراء حجاب حيث لم ير المتكلّم.
الخامس: قول كعب: «و كلّمه موسى مرتين»، فيه نظر. و الحق أنه كلّمه أكثر منهما، كما يرشد إلى ذلك قوله تعالى: وَ ما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى [طه ١٧] و قوله عز و جل: