سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٣٨٧ - تنبيهات
و روى إسحاق بن راهويه بسند صحيح عن ابن عباس قال: «الروح من اللّه، و خلق من خلق اللّه، و صور كبني آدم، لا ينزل ملك إلا و معه أحد من الروح». و قال الخطّابي: «حكوا في المراد بالروح في الآية أقوالا، و قال الأكثرون: سألوه عن الروح التي تكون بها الحياة في الجسد. و قال أهل النظر: «سألوه عن مسلك الروح و امتزاجها بالجسد، و هذا هو الذي استأثر اللّه بعلمه. و قال القرطبي: «الراجح أنهم سألوه عن روح الإنسان: لأن اليهود لا تعترف بأن عيسى روح اللّه، و لا نجهل أن جبريل ملك و أن الملائكة أرواح». و قال الإمام فخر الدين:
«المختار أنهم سألوه عن الروح الذي هو سبب الحياة، و أن الجواب وقع على أحسن الوجوه، و بيانه: أن السؤال عن الروح يحتمل أن يكون عن ماهيّتها، و هل هي متحيّزة أم لا، و هل هي حالّة في متحيّز أم لا، و هل هي قديمة أو حادثة، و هل تبقى بعد انفصالها من الجسد أو تفنى، و ما حقيقة تعذيبها و تنعيمها و غير ذلك من تعلّقاتها»؟ قال: «و ليس في السؤال ما يخصّص أحد هذه المعاني إلا أن الأظهر أنهم سألوه عن الماهيّة، و هل الروح قديمة أو حادثة؟ و الجواب يدلّ على أنها شيء موجود مغاير للطبائع و الأخلاط و تركيبها، فهي جوهر بسيط مجرّد لا يحدث إلا بمحدث، و هو قوله تعالى: «كن فكان». قال: هي موجودة محدثة بأمر اللّه عز و جل، و تكوينه، و لها تأثير في إفادة الحياة للجسد، و لا يلزم من عدم العلم بكيفيتها المخصوصة نفيها.
الرابع: تنطّع قوم «فتباينت أقوالهم في الروح، فقيل: هي النّفس الداخل الخارج، و قيل الحياة، و قيل: جسم لطيف يحل في جميع البدن، و قيل: هي الدم، و قيل: هي عرض، حتى قيل: إن الأقوال بلغت المائة، و نقل ابن مندة عن بعض المتكلمين أن لكل نبي خمس أرواح، و أن لكل مؤمن ثلاثا، و لكل حيّ واحدة.
الخامس: قال القاضي أبو بكر بن العربي: «اختلفوا في الروح و النفس، فقيل متغايران و هو الحق، و قيل: هما شيء واحد، و قد يعبّر بالروح عن النفس و بالعكس، كما يعبّر عن الروح و عن النفس بالقلب و بالعكس، و قد يعبّر عن الروح بالحياة حتى يتعدى ذلك إلى غير العقلاء بل إلى الجهّال مجازا.
قال تلميذه السّهيلي: يعني على مغايرة الروح و النفس قوله تعالى: فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي [الحجر: ٢٩]، و قوله تعالى: تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَ لا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ [المائدة ١١٦] فإنه لا يصح جعل أحدهما موضع الآخر، و لولا التغاير لساغ ذلك.
السادس: في قوله تعالى: قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي، قال الإمام فخر الدين الرازي:
«يحتمل أن يكون المراد بالأمر هنا الفعل كقوله تعالى: وَ ما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ [هود ٩٧]