سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٣٨٩ - تنبيهات
أمر اللّه، و لا من أمر ربكم، يدل على خصوص، و على ما قدّمنا من أنه لا يعلمه إلا من أخذ معناه من قول اللّه تعالى و قول رسوله (صلّى اللّه عليه و سلم)، بعد الإيمان باللّه و رسوله و اليقين الصادق و الفقه في الدين، فإن كان لم يخبر اليهود حين سألوا عنها، فقد أحالهم على موضع العلم بها.
السابع: قال ابن القيّم: ليس المراد بالأمر هنا الطلب اتفاقا، و إنما المراد به المأمور، و الأمر يطلق على المأمور، كالخلق على المخلوق، و منه لَمَّا جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ [هود ١٠١] الآية.
الثامن: قال ابن بطّال: «معرفة حقيقة الروح مما استأثر اللّه عز و جل بعلمه بدليل هذا الخبر»، قال: «و الحكمة في إبهامه اختبار الخلق ليعرّفهم عجزهم عن علم ما لا يدركونه حتى يضطرهم إلى ردّ العلم إليه». و قال القرطبي: «الحكمة في ذلك إظهار عجز المرء، لأنه إذا لم يعلم حقيقة نفسه مع القطع بوجوده كان عجزه عن إدراك حقيقة الحقّ من باب أولى».
التاسع: ثبت عن ابن عباس رضي اللّه عنهما أنه كان لا يفسّر الروح أي لا يعيّن المراد بها في الآية. و ممن رأى الإمساك عن الكلام في الروح أستاذ الطائفة أبو القاسم الجنيد (رحمه اللّه تعالى)، كما في عوارف المعارف عنه بعد أن نقل كلام الناس في الروح، و كان الأولى الإمساك عن ذلك، و التّأدّب بأدب النبي (صلّى اللّه عليه و سلم). ثم نقل عن الجنيد أنه قال: «الروح شيء استأثر اللّه عز و جل بعلمه، و لم يطلع عليه أحدا من خلقه فلا تجوز العبارة عنه بأكثر من موجود».
و على ذلك جرى ابن عطية و جمع من أهل التفسير، و أجاب من خاض في ذلك بأن اليهود سألوا عنها سؤال تعجيز و تغليظ لكونه يطلق على أشياء، فأضمروا بأنه بأي شيء أجاب؟
قالوا: ليس هذا المراد، فردّ اللّه كيدهم و أجابهم جوابا مجملا مطابقا لسؤالهم المجمل.
و قال في العوارف: «و يجوز أن يكون كلامهم في ذلك بمثابة التأويل لكلام اللّه تعالى و الآيات المنزّلة حيث حرّم تفسيره و جوّز تأويله، إذ لا يسوغ التفسير إلا نقلا، و أما التأويل فتمتد العقول إليه بالباع الطويل و هو ذكر ما تتحمل الآية (من المعنى من غير القطع بأنه المراد). و إذا كان الأمر كذلك فللقول فيه وجه و محمل. قال: و ظاهر الآية المنع من القول فيها، فختم الآية بقوله: وَ ما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا أي اجعلوا حكم الروح من الكثير الذي لم تؤتوه فلا تسألوا عنه فإنه من الأسرار.
العاشر: نقل ابن مندة في كتاب الروح له عن الإمام الحافظ المطلع على اختلاف الأحكام من عهد الصحابة إلى عهد فقهاء الأمصار محمد بن نصر المروزيّ أنه نقل الإجماع على أن الروح مخلوقة، و إنما نقل القول بقدمها عن بعض غلاة الرافضة و المتصوّفة.