سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٥١ - العشرون في الكلام على قوله تعالى
بمعنى سترة إيواء اللّه إياه. و يقال ضمّه البيت و الليل، و قيل جنّة بظلاله و دخل فيه».
قال الإمام الرازي: «و يحتمل أن يكون الضمير في «عندها» على هذه القراءة عائدا إلى النّزلة، أي عند النّزلة جنّ محمدا المأوى، أي ستره، و الصحيح أنه عائد إلى، السّدرة».
اللباب: «و هذا قول الجمهور، و قد أنكرت عائشة رضي اللّه تعالى عنها هذه القراءة، و تبعها جماعة و قالوا: «أجنّ اللّه من قرأها». فإذا ثبتت قراءة عن مثل هؤلاء فلا سبيل إلى ردها.
و لكن استعمل إنما هو «أجنّه» رباعيا، فإن استعمل ثلاثيا تعدّى «بعلى»، كقوله تعالى:
فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ الأنعام: ٧٦]. و قال أبو البقاء: هو شاذّ و المستعمل: أجنّه».
العشرون: في الكلام على قوله تعالى: إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى [النجم: ١٦].
ابن القيّم: «لما ذكر سبحانه رؤية محمد (صلّى اللّه عليه و سلم) لجبريل (عليه السلام) عند سدرة المنتهى، استطرد منها و ذكر أن جنّة المأوى عندها و أنه يغشاها من أمره و خلقه ما يغشى، و هذا من أحسن الاستطراد، و هو أسلوب لطيف جدا في القرآن».
اللباب: «إذ» منصوب يراه.
الإمام: «العامل في «إذ» ما قبلها أو ما بعدها، فيه وجهان. فإن قلنا ما قبلها ففيه احتمالان: أظهرهما رآه أي رأى وقت ما يغشى السّدرة الذي يغشى. و الاحتمال الثاني العامل فيه الفعل الذي في النزلة أي رآه نزلة أخرى، تلك النزلة وقت ما يغشى السدرة ما يغشى، أي نزوله لم يكن إلا بعد ما ظهرت العجائب عند السّدرة و غشيها ما غشيها، فحينئذ نزل محمد نزلة، إشارة أنه لم يرجع من غير فائدة. و إن قلنا العامل فيه ما بعدها فالعامل: ما زاغ البصر، أي ما زاغ بصره وقت غشيان السدرة ما غشيها.
و اختلفوا فيما يغشى السدرة فقيل فراش أو جراد من ذهب و هو قول ابن عباس و ابن مسعود و الضّحّاك. قال القرطبي:
و رواه ابن مسعود و ابن عباس مرفوعا إلى النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) قال: «رأيت السّدرة يغشاها فراش من ذهب و رأيت على كل ورقة ملكا يسبّح اللّه تعالى».
قلت و قول الإمام: «إن هذا ضعيف، لأن ذلك لا يثبت إلا بدليل سمعي، فإن صحّ فيه خبر و إلا فلا وجه له قصور شديد، فإن الحديث في صحيح مسلم و غيره. و مثله لا يقال بالرأي.
و قيل: ملائكة يغشونها كأنهم طيور يرتقون إليها متشوّقين متبرّكين بها زائرين كما يزور الناس الكعبة، و قيل يغشاها أنوار اللّه تعالى لأن النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) لما وصل إلى السّدرة تجلى لها ربه تبارك و تعالى كما تجلى للجبل، فظهرت الأنوار، و لكن السّدرة كانت أقوى من الجبل و أثبت، فجعل الجبل دكّا، و لم تتحرك الشجرة و خرّ موسى صعقا، و لم يتزلزل محمد (صلّى اللّه عليه و سلم)».