سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٢٤٠ - الباب الرابع في هجرة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) بنفسه الكريمة و ما وقع في ذلك من الآيات
فقلت: يا أبت ضع يدك على هذا المال. قالت: فوضع يده عليه. فقال: لا بأس إن كان ترك لكم هذا فقد أحسن، و في هذا بلاغ لكم. و لا و اللّه ما ترك لنا شيئا و لكن أردت أن أسكّن الشيخ بذلك».
و في حديث عند البيهقي أن أبا بكر رضي اللّه عنه لما خرج هو و رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) إلى الغار، جعل أبو بكر يمشي مرّة أمام النبي (صلّى اللّه عليه و سلم)، و مرة خلفه و مرة عن يمينه و مرة عن شماله، فسأله رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) عن ذلك، فقال: «يا رسول اللّه أذكر الرّصد فأكون أمامك و أذكر الطّلب فأكون خلفك، و مرة عن يمينك و مرة عن يسارك لآمن عليك، فلما انتهينا إلى فم الغار قال أبو بكر: و الذي بعثك بالحق لا تدخله حتى أدخله قبلك، فإن كان فيه شيء نزل بي قبلك».
فدخله فجعل يلتمس بيده، فجعل كلما دخل جحرا قام إلى ثوبه فشقّه ثم ألقمه الجحر حتى فعل ذلك بثوبه أجمع: فبقي جحر» فوضع عقبيه عليه، ثم دخل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) فجعلت الحيّات يلسعن أبا بكر رضي اللّه عنه و جعلت دموعه تنحدر.
و روى ابن أبي شيبة و ابن المنذر عن أبي بكر أنهما لما انتهيا إلى الغار إذا جحر فألقمه أبو بكر رجليه. قال: «يا رسول اللّه إن كان لدغة أو لسعة كانت بي». و روى ابن مردويه عن جندب بن سفيان قال: «لما انطلق أبو بكر مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) إلى الغار قال أبو بكر: يا رسول اللّه لا تدخل الغار حتى أستبرئه. فدخل أبو بكر الغار فأصاب يده شيء فجعل يمسح الدم عن إصبعه و يقول
هل أنت ألا إصبع دميت* * * و في سبيل اللّه ما لقيت
و في حديث أنس عند أبي نعيم أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) لما أصبح قال لأبي بكر «أين ثوبك»؟ فأخبره بالذي صنع فرفع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) يديه فقال: «اللهم اجعل أبا بكر معي في درجتي في الجنة». فأوحى اللّه إليه: «قد استجاب اللّه تعالى لك» [١].
و روى ابن سعد و أبو نعيم و البيهقي و ابن عساكر عن أبي مصعب المكي قال: «أدركت أنس بن مالك، و زيد بن أرقم، و المغيرة بن شعبة يتحدثون أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) ليلة الغار أمر شجرة- و في رواية عند قاسم بن ثابت: أنبت اللّه شجرة الرّاءة، فنبتت في وجه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، فسترته، و بعث اللّه العنكبوت فنسجت ما بينهما فسترت وجه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، و أمر اللّه حمامتين و حشيتين فوقفتا في فم الغار، و أقبل فتيان قريش من كل بطن بعصيّهم و هراويهم و سيوفهم، حتى إذا كانوا من النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) على أربعين ذراعا، جعل بعضهم ينظر في الغار فلم ير إلا حمامتين و حشيتين بفم الغار، فرجع إلى أصحابه، فقالوا له: ما لك؟ قال: رأيت حمامتين و حشيتين فعرفت أنه ليس فيه
[١] أخرجه أبو نعيم في الحلية ١/ ٣٣ و ذكره السيوطي في الجامع الكبير (٩٣٣٨).