سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ١٣٣ - التنبيه الحادي و الخمسون
غيره لم يعرف نفسه و قد وصفها اللّه تعالى بالدخول و الخروج، و القبض و التّوفيّ و الرجوع، و صعودها السماء و فتح أبوابها و غلقها عنها، و قد ذكرت آيات و أحاديث كثيرة تشهد بما قاله».
ثم قال: «و أما إخباره (صلّى اللّه عليه و سلم) عن رؤية الأنبياء ليلة الإسراء به، فقد زعم بعض أهل الحديث أن الذي رآه أشباحهم و أرواحهم. قال: فإنهم أحياء عند ربهم يرزقون. و قد رأى المصطفى إبراهيم مسندا ظهره إلى البيت المعمور و رأى موسى قائما في قبره يصلي، و قد نعت الأنبياء (صلوات اللّه و سلامه عليهم) لما رآهم بنعت الأشباح».
و نازعهم آخرون و قالوا: هذه الرواية إنما هي لأرواحهم دون أجسادهم، و الأجساد في الأرض قطعا و إنما تبعث يوم تبعث الأجساد، و لا تبعث قبل ذلك، إذا لو بعثت قبل ذلك لكانت قد انشقّت عنهم الأرض قبل يوم القيامة، و كانت تذوق الموت عند نفخة الصور، و هذه موتة ثالثة و هذا باطل قطعا، و لو كانت قد بعثت الأجساد من القبور لم يعدهم اللّه تعالى إليها، بل كانت في الجنة و قد صحّ عن النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) قوله إن اللّه تعالى حرّم الجنة على الأنبياء حتى يدخلها هو، فهو أول من يستفتح باب الجنة، و أول من تنشقّ عنه الأرض على الإطلاق، و لم تنشق عن أحد قبله، و معلوم بالضرورة أن جسده (صلّى اللّه عليه و سلم) في الأرض طري.
و قد سأله أصحابه: كيف تعرض عليك صلاتنا و قد بليت؟ فقال: «إن اللّه حرّم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء»
[١] و لو لم يكن جسده في ضريحه طريا لما أجاب بهذا الجواب. و قد صحّ عنه (صلّى اللّه عليه و سلم) أن اللّه تعالى و كلّ بقبره ملائكة يبلّغونه عن أمته السلام، و صحّ عنه (صلّى اللّه عليه و سلم) لما خرج بين أبي بكر و عمر قال: «هكذا نبعث».
هذا مع القطع بأن روحه الكريمة في الرفيق الأعلى في أعلى علّيّين مع أرواح الأنبياء (صلوات اللّه و سلامه عليهم). و قد صحّ أنه رأى موسى (عليه السلام) قائما يصلي في قبره ليلة الإسراء و رآه في السماء السادسة أو السابعة، فالروح كانت هناك و لها اتصال بالبدن في القبر و إشراق عليه و تعلّق به بحيث تصلي في قبره و تردّ سلام من سلّم عليه و هو في الرفيق الأعلى.
و لا تنافي بين الأمرين فإن شأن الأرواح غير شأن الأبدان، فأنت تجد الروحين المتلائمتين المتناسبتين في غاية التجاور و القرب و إن كان بين بدنيهما غاية البعد، و تجد الروحين المتنافرتين المتباغضتين في غاية البعد و إن كان جسداهما متجاورين متلاصقين، و ليس نزول الروح و صعودها، و قربها و بعدها من جنس ما للبدن فهي تصعد إلى فوق سبع سموات ثم تهبط إلى الأرض ما بين قبضها و وضع الميت في قبره، و هو زمن يسير لا يصعد
[١] أخرجه أبو داود في كتاب الجمعة باب (١) و ابن ماجة (١٠٨٥) و أحمد في المسند ٤/ ٨ و البيهقي في السنن ٣/ ٢٤٩ و الحاكم في المستدرك ٤/ ٥٦٠ و الطبراني في الكبير و ابن حبان (٥٥).