سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٨٥ - الباب الثامن في سياق القصة
الشياطين و الإنس يعملون لي ما شئت من محاريب و تماثيل و جفان كالجوابي و قدور راسيات، و علّمني منطق الطير و أتاني من كل شيء فضلا، و سخّر لي جنود الشياطين و الإنس و الجن و الطير، و فضّلني على كثير من عباده المؤمنين، و أتاني ملكا عظيما لا ينبغي لأحد من بعدي و جعل ملكي ملكا طيبا ليس فيه حساب و لا عقاب».
ثم إن عيسى بن مريم أثنى على ربه تبارك و تعالى فقال: «الحمد للّه الذي جعلني كلمته و جعل مثلي مثل آدم خلقه من تراب. ثم قال له: كن فيكون، و علّمني الكتاب و الحكمة، و التوراة و الإنجيل، و جعلني أبرئ الأكمه و الأبرص و أحيي الموتى بإذن اللّه، و رفعني و طهّرني.
و أعاذني و أمي من الشيطان الرجيم، فلم يكن للشيطان علينا سبيل».
فقال النبي (صلّى اللّه عليه و سلم): «كلكم أثنى على ربه و إني مثن على ربي»، فقال: «الحمد للّه الذي أرسلني رحمة للعالمين و كافّة للناس بشيرا و نذيرا، و أنزل عليّ الفرقان فيه تبيان كل شيء، و جعل أمتي خير أمّة أخرجت للناس، و جعل أمّتي وسطا، و جعل أمّتي هم الأولون و الآخرون، و شرح لي صدري و وضع عني وزري و رفع لي ذكري و جعلني فاتحا و خاتما».
فقال إبراهيم (صلّى اللّه عليه و سلم): «بهذا فضلكم محمد (صلّى اللّه عليه و سلم)».
ثم تذاكروا أمر الساعة، فردّوا أمرهم إلى إبراهيم فقال: «لا علم لي بها». فردوا أمرهم إلى موسى فقال: لا علم لي بها». فردوا أمرهم إلى عيسى فقال: «أما وجبتها فلا يعلمها إلا اللّه، و فيما عهد إليّ ربي أن الدّجّال خارج، و معي قضيبان، فإذا رآني ذاب كما يذوب الرصاص، فيهلكه اللّه تعالى إذا رآني، حتى أن الحجر ليقول: يا مسلم إن تحتي كافرا فتعال فاقتله، فيهلكهم اللّه ثم يرجع الناس إلى بلادهم و أوطانهم فعند ذلك يخرج يأجوج و مأجوج.
و هم من كل حدب ينسلون فيطأون بلادهم لا يأتون على شيء إلا أهلكوه، و لا يمرون على ماء إلا شربوه، ثم يرجع الناس فيشكونهم إليّ، فأدعو اللّه تعالى عليهم، فيهلكهم و يميتهم حتى تحوي الأرض من ريحهم، فينزل اللّه تعالى المطر، فيجرف أجسادهم حتى يقذفهم في البحر.
ففيما عهد إليّ ربيّ أن ذلك إذا كان كذلك فإن الساعة كالحامل المتمّ لا يدري أهلها متى تفجأهم بولادتها ليلا أو نهارا».
و أخذ النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) من العطش أشد ما أخذه، فأتي بقدحين أحدهما عن اليمين و الآخر عن الشّمال في أحدهما لبن و الآخر عسل- و في رواية أتي بآنية ثلاث مغطّاة أفواهها، فأتي بإناء منها فيه ماء فشرب منه قليلا، و في لفظ أنه لم يشرب منه شيئا، ثم دفع إليه إناء آخر فشرب منه حتى روي،
ثم دفع إليه إناء آخر فيه خمر، فقيل له: اشرب فقال: «لا أريده قد رويت».
فقال جبريل: «إنها ستحرّم على أمّتك».
و في رواية: فعرض عليه الماء و الخمر و اللبن، و في