سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٣٢٣ - الباب العاشر في ذكر بعض خصائصها
و أقره عليه الرافعي و النووي و غيرهما] و الاكتفاء بزيارة قبر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) لمن نذر إتيان مسجد المدينة كما قال الشيخ أبو علي تفريعا على القول بلزوم إتيانه كما قاله الشافعي و البويطي، على أنه لا بد من [ضمّ] قربة إلى الإتيان كما هو الأصحّ [تفريعا على اللزوم و علّله الشيخ أبو علي بأن زيارته (صلّى اللّه عليه و سلم) من أعظم القربات، و توقف في ذلك الإمام من جهة أنها لا تتعلق بالمسجد و تعظيمه، قال: و قياسه أنه لو تصدّق في المسجد أو صام يوما كفاه، و فيه نظر، على أن الصحيح ما نص عليه في المختصر من] عدم لزوم الإتيان.
و جاء في سوقها أن الجالب إليه كالمجاهد في سبيل اللّه، و أن المحتكر كالملحد في كتاب اللّه تعالى. و اختصّت بظهور نار الحجاز المنذر بها من أرضها و من انطفائها عند حرمها كما سيأتي في المعجزات، لما تضمّنه حديث الحاكم و غيره. [و في حديث النسائي و البزار و الحاكم و اللفظ له:] «يوشك الناس أن يضربوا أكباد الإبل فلا يجدون عالما أعلم من عالم المدينة». و كان سفيان بن عيينة يقول: نرى هذا العالم مالك بن أنس. و قيل غير ذلك. و ما نقل عن مالك من أن إجماع أهلها يقدّم على خبر الواحد، لسكناهم مهبط الوحي و معرفتهم بالناسخ و المنسوخ.
و اختصاص أهلها في قيام رمضان بست و ثلاثين ركعة على المشهور عند الشافعية. قال الإمام الشافعي: رأيت أهل المدينة يقومون بتسع و ثلاثين ركعة منها ثلاث للوتر. و نقل الروياني و غيره عن الشافعي أن سببه إرادة أهل المدينة مساواة أهل مكة فيما كانوا يأتون به من الطواف و ركعتين بين الترويحات فجعلوا مكان كل أسبوع [١] ترويحة. قال الإمام الشافعي: «لا يجوز لغير أهل المدينة أن يباروا أهل مكة و لا ينافسوهم لأن اللّه فضّلهم على سائر العباد».
و شاركتها مكة في تحريم قطع الرطب من شجرها و حشيشها و صيدها و اصطياده و تنفيره، و حمل السلاح للقتال بها، و لا تحل لقطتها إلا لمن أشاد بها، و نقل ترابها و نحوه منها أو إليها، و نبش الكافر إذا دفن بها. و أن كلا من مسجد الرسول و المسجد الحرام يقوم مقام المسجد الأقصى لمن نذر الصلاة أو الاعتكاف فيه، و لو نذرهما بمسجد المدينة لم يجزه الأقصى و أجزاه المسجد الحرام بناء على زيادة المضاعفة، و إذا نذر المشي إلى بيت المقدس يخيّر بين المشي إليه أو إلى أحدهما، و الذي رجّحوه ما اقتضاه كلام البغوي من عدم لزوم المشي في غير المسجد الحرام.
و إذا نذر تطييب مسجد المدينة و الأقصى ففيه تردد لإمام الحرمين، و اقتضى كلام الغزالي اختصاصه بالمسجدين لأنا إن نظرنا إلى التعظيم ألحقناهما بالكعبة أو إلى امتياز الكعبة
[١] التنطع: هو كل تعمّق قولا و فعلا. انظر النهاية ٥/ ٧٤.