سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٣٢١ - الباب العاشر في ذكر بعض خصائصها
تعالى في حرم مكة. وَ مَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ [الحج ٢٥] و الوعيد الشديد لمن أحدث فيها حدثا أو آوى محدثا. و الحدث يشمل الصغيرة فهي بها كبيرة، أي يعظم جزاؤها لدلالتها على جرأة مرتكبها بحرم سيّد المرسلين و حضرته الشريفة.
و الوعيد الشديد لمن ظلم أهلها أو أخافهم، و وعيد من لم يكرم أهلها و أن إكرامهم و تعظيمهم حقّ على الأمة، و أنه (صلّى اللّه عليه و سلم) شفيع أو شهيد لمن حفظهم فيه، و
قوله: «من أخاف أهل المدينة فقد أخاف ما بين جنبيّ».
و اختصاصها بملك الإيمان و الحياء، و يكون الإيمان يأرز إليها، و اشتباكها بالملائكة و حراستهم لها، و إنها دار الإسلام أبدا لحديث:
«إن الشياطين قد أيست أن تعبد ببلدي هذا»
[١]، و أنها «آخر قرى الإسلام خرابا»، رواه الترمذي، و حسّنه، و يأتي بسطه في المعجزات إن شاء اللّه تعالى، و عصمتها، من الدّجال و خروج الرجل الذي هو خير الناس أو من خير الناس منها للدّجّال ليكذّبه، و نقل وبائها و حمّاها و الاستشفاء بترابها و بتمرها كما سيأتي في الخصائص.
و قوله في حديث للطبراني: «و حقّ على كل مسلم أن يأتيها»، و سماعه (صلّى اللّه عليه و سلم) لمن صلّى عليه بها عند قبره الشريف، و وجوب شفاعته لمن زاره بها، و غير ذلك مما سيأتي في باب فضل زيارته. و كونها أوّل مسجد اتخذه بها لعامة المسلمين في هذه الأمة، و تأسيس مسجدها على يده (صلّى اللّه عليه و سلم)، و عمل فيه بنفسه، و معه خير الأمة، و أن اللّه سبحانه و تعالى أنزل في شأنه لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ [التوبة ١٠٨] و كونه آخر مساجد الأنبياء، و المساجد التي تشدّ إليها الرّحال، و كونه أحقّ المساجد أن يزار و ما يذخر لزائره من الثواب المضاعف كما سيأتي و أن من صلّى فيه أربعين صلاة كتب له براءة من النار و براءة من العذاب، و أنه بريء من النفاق، و أن من خرج على طهر لا يريد إلا الصلاة فيه كان بمنزلة حجّة، و ما ثبت من أنّ إتيان مسجد قباء و الصلاة فيه تعدل عمرة و غير ذلك مما ثبت في فضلها.
و أن بين بيته و قبره روضة من رياض الجنة، مع ذهاب بعضهم إلى أن ذلك يعمّ مسجده (صلّى اللّه عليه و سلم)، و أنه المسجد الذي لا تعرف بقعة في الأرض من الجنة غيره، و أنه على حوضه (صلّى اللّه عليه و سلم)، و ما جاء في أن «ما بين منبره الشريف و المصلّى روضة من رياض الجنة» [٢] و سيأتي ما يقتضي أن المراد مصلّى العيد و هو جانب كبير من هذه البلدة.
و قوله في أحد [هذا جبل] يحبّنا و نحبّه، و أنه على ترعة من ترع الجنّة. و في وادي
[١] ذكره الهيثمي في المجمع ٣/ ٣٠٢ و عزاه للبزار و قال: فيه السكن بن هارون الباهلي و لم أجد من ترجمه.
[٢] أخرجه مسلم ٢/ ١٠١٠ (٥٠٠- ١٣٩٠).