سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٣٢٠ - الباب العاشر في ذكر بعض خصائصها
الباب العاشر في ذكر بعض خصائصها
و هي تزيد على المائة فقد امتازت بتحريمها على لسان أشرف الأنبياء بدعوته (صلّى اللّه عليه و سلم).
و كون المتعرّض لصيدها و شجرها يسلب كقتيل الكفار، و هو أبلغ في الزّجر مما في مكة، و على القول بعدمه هو أدلّ على عظيم حرمتها حيث لم يشرع له جزاء. و يجوز نقل ترابها للتداوي، و اشتمالها على أشرف البقاع و هو محل القبر الشريف، و دفن أفضل الخلق بها و أفضل هذه الأمة و كذا أكثر الصحابة و السلف الذين هم خير القرون، و خلقهم من تربتها، و بعث أشراف هذه الأمة يوم القيامة منها على ما نقله [عياض] في المدارك عن الإمام مالك، قال: «و هو لا يقول من عند نفسه».
و كونها محفوفة بالشهداء كما قاله الإمام مالك أيضا، و بها أفضل الشهداء الذين بذلوا أنفسهم في ذات اللّه بين يدي نبيّهم (صلّى اللّه عليه و سلم)، فكان شهيدا عليهم، و اختيار اللّه تعالى إيّاها لأفضل خلقه و أحبّهم إليه، و اختيار أهلها للنّصرة و الإيواء، و افتتاحها بالقرآن و سائر البلاد بالسيف و السّنان، و افتتاح سائر بلاد الإسلام منها، و جعلها مظهر الدين، و وجوب الهجرة إليها قبل فتح مكة و السكنى بها لنصرته (صلّى اللّه عليه و سلم) و مواساته بالأنفس على ما قاله القاضي عياض أنه متّفق عليه، قال:
«و من هاجر قبل الفتح فالجمهور على منعه من الإقامة [بمكة] بعد الفتح، و رخّص له ثلاثة أيام بعد قضاء نسكه، و الحث على سكنى المدينة و على اتخاذ الأصل بها و على الموت بها، و الوعد على ذلك بالشفاعة أو الشهادة أو هما، و استحباب الدعاء بالموت بها، و تحريضه (صلّى اللّه عليه و سلم) على الموت بها و شفاعته أو شهادته لمن صبر على لأوائها و شدّتها، و طلبه لزيادة البركة بها على مكة و دعاؤه بحبها و أن يجعل اللّه لديها قرارا و رزقا حسنا، و طرح الرداء عن منكبيه إذا قاربها، و تسميته لها طيبة» و غيرها مما سبق. «و طيب ريحها، و للعطر بها رائحة لا توجد في غيرها» قاله ياقوت.
و طيب العيش بها و كثرة أسمائها، و كتابتها في التوراة مؤمنة و تسميتها فيها بالمحبوبة و المرحومة و إضافتها إلى اللّه تعالى في قوله تعالى أَ لَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها [النساء ٩٧]، و إلى النبي بلفظ البيت في قوله تعالى: كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِ [الأنفال ٥] و إقسام اللّه تعالى في قوله تعالى: لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ [البلد ١] و البداءة بها في قوله تعالى: وَ قُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَ أَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ [الإسراء ٨٠]، مع أن المخرج مقدّم على المدخل. و دعاؤه (صلّى اللّه عليه و سلم) لها خصوصا بالبركة، و لثمارها و مكيالها و أسواقها و أهلها.
و لقوله إنها تنفي الذنوب و تنفي خبثها، و أنه لا يدعها أحد رغبة عنها إلا أبدل اللّه فيها خيرا منه و من أرادها و أهلها بسوء أذابه اللّه، الحديث، فرتّب الوعيد فيها على الإرادة، كما قال