سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٢٦ - الثالث في الكلام على القسم الواقع هنا
الأيمان في سورتين منها أقسم لإثبات صدق رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، و كونه رسولا في إحداهما بأمر، و هو قوله تعالى: وَ النَّجْمِ إِذا هَوى، ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَ ما غَوى [النجم: ١، ٢]. و في الثانية بأمرين و هو قوله تبارك و تعالى: وَ الضُّحى وَ اللَّيْلِ إِذا سَجى، ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَ ما قَلى [الضحى: ١، ٢، ٣] و ذلك لأن القسم على إثبات رسالته قد كثر بالحروف و القرآن العظيم، كما في قوله تعالى: يس وَ الْقُرْآنِ الْحَكِيمِ، إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ [يس: ١، ٢، ٣]. و قد ذكرنا الحكم فيه أن من معجزات النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) القرآن، فأقسم به ليكون في القسم إشارة واقعة إلى البرهان. و في باقي السّور كان المقسم عليه الحشر و الجزاء، و ما يتعلق به يكون إنكارهم في ذلك خارجا عن الحد، و عدم استيفاء ذلك في سور القسم بالحروف.
و أقسم تعالى بمجموع السلامة المؤنثة في خمس سور، و لم يقسم بمجموع السلامة المذكرة في سورة أصلا. فقال وَ الصَّافَّاتِ [الصافات: ١]، وَ الذَّارِياتِ [الذاريات: ١]، و لم يقل «و الصالحين من عبادي»، و لا المقربين، إلى غير ذلك، مع أن الذكور أشرف و ذلك لأن المجموع بالواو و النون في الأمر الغالب، لمن يعقل.
و قد ذكرنا أن القسم بهذه الأشياء ليس لبيان التوحيد إلا في صورة ظهر الأمر فيه، و حصل الاعتراف منهم، و لا للرسالة لحصول ذلك في سورة القسم بالحروف و القرآن، بقي أن يكون المقصود إثبات الحشر و الجزاء، لكن إثبات الحشر لثواب الصالح و عقاب الطالح، ففائدة ذلك راجعة إلى من يعقل فيلزم أن يكون القسم بغيرهم. و السّور التي أقسم فيها لإثبات الوحدانية أقسم في أول الأمر بالساكنات حيث قال: وَ الصَّافَّاتِ و في السّور الأربع الباقية أقسم بالمتحركات فقال: وَ الذَّارِياتِ، وَ الْمُرْسَلاتِ [المرسلات: ١]، و النَّازِعاتِ [النازعات: ١] وَ الْعادِياتِ، و ذلك لأن الحشر فيه جمع و تفريق، و ذلك بالحركة أليق. و في السور الأربع أقسم بالرياح على ما بيّن، و هي التي تجمع و تفرّق، فالقادر على تأليف السحاب المتفرق بالرياح الذارية و المرسلة قادر على تأليف الأجزاء المتفرقة بطريق من الطرق التي يختارها بمشيئته تبارك و تعالى».
و قال الإمام أيضا في موضع آخر: «اعلم أنه تعالى لم يقسم على الوحدانية و لا على النبوة كثيرا، لأنه أقسم على الوحدانية في سورة الصافات، و أما النبوة فأقسم عليها بأمر واحد في هذه السورة، و بأمرين في سورة «و الضحى»، و أكثر من القسم على الحشر و ما يتعلق به.
فإن قوله تعالى: وَ اللَّيْلِ إِذا يَغْشى [الليل: ١] و قوله: وَ الشَّمْسِ وَ ضُحاها [الشمس:
١] و قوله تعالى: وَ السَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ [البروج: ١]، إلى غير ذلك، كلها في الحشر و ما يتعلق به، و ذلك لأن دلائل الوحدانية كثيرة، كلها عقلية كما قيل: