سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٢٤٨ - قصّة سراقة رضي اللّه عنه
قصّة سراقة رضي اللّه عنه
روى الإمام أحمد و يعقوب بن سفيان و الشيخان عن سراقة بن مالك رضي اللّه عنه، و الإمام أحمد و الشيخان و يعقوب عن أبي بكر رضي اللّه عنه قال سراقة بن جعشم: جاءنا رسل كفّار قريش يجعلون في رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) و أبي بكر دية كلّ واحد منهما مائة ناقة من الإبل لمن قتله أو أسره، فبينا أنا جالس في مجلس من مجالس قومي بني مدلج أقبل رجل منهم حتى قام علينا [و نحن جلوس] فقال: يا سراقة إني قد رأيت آنفا أسودة بالساحل- و في لفظ: ركبة ثلاثة- أراها محمدا و أصحابه. قال سراقة: فعرفت أنهم هم، فأومأت إليه بعيني أن اسكت، فسكت، ثم قلت له: إنهم ليسوا بهم و لكنك رأيت فلانا و فلانا انطلقوا يبتغون ضالّة لهم. ثم لبثت في المجلس ثم قمت فدخلت بيتي فأمرت جاريتي أن تخرج بفرسي و هي من وراء أكمة فتحبسها عليّ، و أخذت رمحي فخرجت به من ظهر البيت فحططت بزجّه الأرض و خفضت عاليه حتى أتيت فرسي فركبتها، فرفعتها تقرّب بي حتى رأيت أسودتهما، فلما دنوت منهم عثرت بي فرسي فخررت عنها فقمت فأهويت بيدي إلى كنانتي فاستخرجت منها الأزلام فاستقسمت بها أضرّهم، أم لا أضرّهم، فخرج الذي أكره: أني لا أضرّهم، و كنت أرجو أن أردّه فآخذ المائة ناقة، فركبت فرسي و عصيت الأزلام فرفعتها تقرّب بي حتى إذا سمعت قراءة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) و هو لا يلتفت و أبو بكر يكثر الالتفات ساخت يدا فرسي في الأرض حتى بلغت الرّكبتين فخررت عنها، ثم زجرتها فنهضت فلم تكد تخرج يديها فلما استوت قائمة إذا لأثر يديها عثان ساطع في السماء مثل الدّخان فاستقسمت بالأزلام فخرج الذي أكره- ألا أضرّهم- قال: فعرفت حين رأيت ذلك أنه قد منع مني و أنه ظاهر، فناديتهم بالأمان و قلت:
أنظروني فواللّه لا آذيتكم و لا يأتيكم مني شيء تكرهونه.
قال: فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) لأبي بكر: «قل له و ما تبتغي منا»؟ فقلت: إن قومك قد جعلوا فيكما الدّية و أخبرتهما أخبار ما يريد الناس بهم و عرضت عليهم الزاد و المتاع فلم يرزآني شيئا و لم يسألاني إلا أن قال: «أخف عنّا» فسألته أن يكتب لي كتاب موادعة آمن به، قال: «اكتب له يا أبا بكر»- و في رواية: فأمر عامر بن فهيرة فكتب في رقعة من أديم، ثم مضى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم).
[ثم رجعت] فسكتّ فلم أذكر شيئا مما كان حتى إذا كان فتح مكة على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) و فرغ من حنين و الطائف خرجت لألقاه و معي الكتاب الذي كتب لي [فلقيته بالجعرانة]. قال: «فبينا أنا عامد له دخلت بين ظهري كتيبة من كتائب الأنصار، فطفقوا يقرعونني بالرماح و يقولون: إليك إليك حتى إذا دنوت من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) و هو على ناقته،