سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٢٤٩ - قصّة سراقة رضي اللّه عنه
و اللّه لكأني أنظر إلى ساقه في غرزه [١] كأنها جمّارة [٢]. قال: فرفعت يدي بالكتاب. ثم قلت:
يا رسول اللّه هذا كتابك لي و أنا سراقة بن مالك قال: فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم): «يوم وفاء و برّ أدنه»، فدنوت منه فأسلمت، ثم تذكرت شيئا أسأل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) عنه فما أذكره، إلا أني قلت: يا رسول اللّه الضّالة من الإبل تغشى حياضي و قد ملأتها لإبلي هل لي من أجر [في أن أسقيها]؟ قال: «نعم في كل ذات كبد حرّى أجر» قال: ثم رجعت إلى قومي فسقت إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) صدقتي [٣].
و قال أبو بكر رضي اللّه عنه: «و تبعنا سراقة بن مالك و نحن في جلد من الأرض فقلت:
يا رسول اللّه هذا الطلب قد لحقنا. قال: «لا تحزن إن اللّه معنا». فلما دنا منّا و كان بيننا و بينه قدر رمح أو رمحين أو ثلاثة قلت: هذا الطلب قد لحقنا و بكيت. [قال (صلّى اللّه عليه و سلم): «ما يبكيك»؟] قلت: «أما و اللّه ما على نفسي أبكي و لكني أبكي عليك». فدعا عليه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) فقال:
«اللهم اكفناه بما شئت». قال: فساخت به فرسه في الأرض إلى بطنها فوثب عنها، ثم قال: يا محمد قد علمت أن هذا عملك فادع اللّه أن ينجيني مما أنا فيه، فواللّه لأعمين على من ورائي من الطلب و هذه كنانتي فخذ منها سهما فإنك ستمرّ على إبلي و غنمي بمكان كذا و كذا فخذ منها حاجتك، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم): «لا حاجة لنا في إبلك و غنمك»، و دعا له رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم). فانطلق راجعا إلى أصحابه لا يلقى أحدا إلا قال: قد كفيتم ما ههنا، و لا يلقى أحدا إلا ردّه، و وفى لنا.
و عند ابن سعد أن سراقة لما رجع قال لقريش: قد عرفتم بصري بالطريق و قد استبرأت لكم فلم أر شيئا، فرجعوا. و قال ابن سعد و البلاذري: عارضهم سراقة بقديد يوم الثلاثاء.
و روى ابن عساكر عن ابن إسحاق قال: قال أبو بكر الصديق رضي اللّه عنه- فيما يذكرون و اللّه أعلم في دخوله الغار مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، و في مسيرهم و في طلب سراقة إياهم:
قال النّبيّ و لم يجزع يوقّرني* * * و نحن في شدّة من ظلمة الغار
لا تخش شيئا فإنّ اللّه ثالثنا* * * و قد توكّل لي منه بإظهار
و إنّما كيد من تخشى بوادره* * * كيد الشّياطين كادته لكفّار
و اللّه مهلكهم طرّا بما كسبوا* * * و جاعل المنتهي منها إلى النّار
[١] الغرز: ركاب كور الجمل إذا كان من جلد أو خشب و قيل: هو الكور مطلقا، مثل الركاب للسرج. انظر النهاية ٣/ ٣٥٩.
[٢] الجمارة: قلب النخلة و شحمتها، شبه ساقه ببياضها. انظر النهاية ١/ ٢٩٤ (جمر).
[٣] أخرجه الطبراني في الكبير ٧/ ١٥٨ و ذكره ابن كثير في البداية و النهاية ٣/ ١٨٥.