سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٢٤٦ - قصة أم معبد رضي اللّه عنها
فيهم أبو جهل بن هشام فخرجت إليهم فقالوا: أين أبوك يا بنت أبي بكر؟» فقلت «و اللّه لا أدري أين أبي». فرفع أبو جهل يده، و كان فاحشا خبيثا، فلطم خدّي لطمة خرج منها قرطي، ثم انصرفوا، فمكثنا ثلاثة أيام ما ندري أين توجه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) حتى أتى رجل من الجنّ من أسفل مكة يتغنّى بأبيات من شعر غناء العرب و تبعه الناس يسمعون صوته و ما يرونه حتى خرج من أعلى مكة و هو يقول:
جزى اللّه ربّ النّاس خير جزائه* * * رفيقين قالا خيمتي أمّ معبد
هما نزلا بالبرّ و ارتحلا به* * * فأفلح من أمسى رفيق محمّد
فيا لقصيّ ما زوى اللّه عنكم* * * به من فعال لا تجارى و سودد
ليهن بني كعب مقام فتاتهم* * * و مقعدها للمؤمنين بمرصد
سلوا أختكم عن شاتها و إنائها* * * فإنّكم إن تسألوا الشّاة تشهد
دعاها بشاة حائل فتحلّبت* * * له بصريح ضرّة الشّاة مزبد
فغادرها رهنا لديها لحالب* * * يردّدها في مصدر ثمّ مورد [١]
فلما سمع ذلك حسّان بن ثابت الأنصاري رضي اللّه عنه قال يجاوب الهاتف:
لقد خاب قوم غاب عنهم نبيّهم* * * و قدّس من يسري إليه و يغتدي
ترحّل عن قوم فضلّت عقولهم* * * و حلّ على قوم بنور مجدّد
هداهم به بعد الضّلالة ربّهم* * * و أرشدهم من يتبع الحقّ يرشد
و هل يستوي ضلّال قوم تسفّهوا* * * عمّى و هداة يهتدون بمهتد
لقد نزلت منه على أهل يثرب* * * ركاب هدى حلّت عليهم بأسعد
نبيّ يرى ما لا يرى النّاس حوله* * * و يتلو كتاب اللّه في كلّ مسجد
و إن قال في يوم مقالة غائب* * * فتصديقها في اليوم أو في ضحى الغد
ليهن أبا بكر سعادة جدّه* * * بصحبته من يسعد اللّه يسعد [٢]
و روى البيهقي بسند حسّنه و الحافظ ابن كثير عن أبي بكر رضي اللّه عنه أنه قال: «خرجت مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) من مكة، فانتهينا إلى حيّ من أحياء العرب فنظر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) إلى بيت منتحيا فقصد إليه، فلما نزلنا لم يكن فيه إلا امرأة فقالت: يا عبدي اللّه إنما أنا امرأة و ليس معي أحد فعليكما بعظيم الحيّ إن أردتم القرى. قال: فلم نجبها، و ذلك عند المساء، فجاء ابن لها بأعنز له يسوقها. فقالت له: يا بني انطلق بهذه العنزة و الشفرة إلى هذين الرجلين
[١] الأبيات في الروض الأنف ٢/ ٢٣٤ و ديوان حسان ص ٥٩.
[٢] القصيدة في الروض الأنف ٢/ ٢٣٥ و انظر ديوان حسان ص ٥٩، ٦٠.