سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٢٤٧ - قصة أم معبد رضي اللّه عنها
فقل لهما: تقول لكم أمّي: اذبحا هذه و أطعمانا. فلما جاء قال له النبي (صلّى اللّه عليه و سلم): «انطلق بالشفرة و جئني بالقدح». قال: إنها عازب و ليس لها لبن. قال: «انطلق». فانطلق فجاء بقدح فمسح النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) ضرعها ثم حلب ملء القدح ثم قال: انطلق به إلى أمّك. فشربت ثم رويت ثم جاء به. فقال: انطلق بهذه و جئني بأخرى ففعل بها كذلك. ثم سقى أبا بكر، ثم جاء بأخرى ففعل بها كذلك ثم شرب النبي (صلّى اللّه عليه و سلم).
«فلبثنا ليلتين ثم انطلقنا، و كانت تسميه المبارك، و كثرت غنمها حتى جلبت حلبا إلى المدينة فمر أبو بكر رضي اللّه عنه فرآه ابنها فعرفه، فقال: يا أمه إن هذا الرجل الذي كان مع المبارك، فقامت إليه فقالت: يا عبد اللّه من الرجل الذي كان معك؟ قال: و ما تدرين؟ قالت:
لا. قال: هو نبيّ اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم). قالت: فأدخلني عليه. قال: فأدخلها فأطعمها و أعطاها. و في رواية:
فأهدت إليه شيئا من أقط و متاع الأعراب، فكساها و أعطاها»، قال- و لا أعلمه إلا قال:
«أسلمت» [١].
قال البيهقي في الدلائل: «و هذه القصة و إن كانت تنقص عما روينا في قصة أم معبد و تزيد في بعضها، في قريبة منها و يشبه أن تكونا واحدة، و قد ذكر ابن إسحاق في قصة أم معبد شيئا يدل على أنها و هذه القصة واحدة.
ثم روى البيهقي من طريق يونس بن بكير عن ابن إسحاق قال: «فنزل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) بخيمة أم معبد و هي التي تمرّد بها الجنّ بأعلا مكة. و اسم أم معبد عاتكة بنت خالد بن خليف بن منقذ بن ربيعة بن أصرم [الخزاعية]، فأراد القرى فقالت: و اللّه ما عندنا طعام و لا لنا منحة و لا لنا شاة إلا حائل، فدعا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) ببعض غنمها فمسح ضرعها بيده فدعا اللّه تعالى فحلب في العسّ حتى رغّى، و قال: «اشربي يا أم معبد». قالت: اشرب أنت به أحق. فردّه عليها فشربت. ثم دعا بحائل أخرى ففعل بها مثل ذلك، فسقى دليله ثم دعا بحائل ففعل بها مثل ذلك فسقى عامر بن فهيرة، ثم استراح.
و طلبت قريش رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) حتى بلغوا أم معبد فسألوها عنه فقالوا: «أ رأيت محمدا من حليته كذا و كذا»؟ فوصفوه لها، فقالت: «ما أدري ما تقولون فقد ضافني حالب الحائل»؟
قالت قريش: «فذلك الذي أردنا». قاله البيهقي: فيحتمل أولا أنه رأى التي في كسر الخيمة، كما روينا في حديث أم معبد، ثم رجع ابنها بأعنز كما روينا ثم لما أتى زوجها و صفته له، و اللّه أعلم.
[١] أخرجه البيهقي في الدلائل ٢/ ٢٢٢ و ذكره المتقي الهندي في الكنز (٤٦٢٨٧) و ابن كثير في البداية و النهاية ٣/ ١٩١.