العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٢٨٥ - أخبار الحجاج
العصر، فلما رآني قال: ما احتواك المضجع يا نباتة!فقلت: من خاف من وجه الصباح أدلج [١] . فسلمت و انتبذت عنه فتركني حتى سكن جأشي، ثم قال: مهيم [٢] .
فدفعت إليه الكتاب فقرأه متبسما، فلما مضى فيه ضحك حتى بدت له سنّ سوداء ثم استقصاه فانصرف إليّ فقال: كيف رأيت إشفاقه؟قال: فقصصت عليه ما رأيت منه فقال: صلوات اللّه على الصادق الأمين: إن من البيان لسحرا. ثم قذف الكتاب إليّ فقال: اقرأ. فقرأته فإذا فيه:
بسم اللّه الرحمن الرحيم. لعبد اللّه أمير المؤمنين، و خليفة رب العالمين، المؤيّد بالولاية، المعصوم من خطل القول و زلل الفعل، بكفالة اللّه الواجبة لذوي أمره؛ من عبد اكتنفته الزّلة [٣] ، و مدّ به الصّغار [٤] إلى وخيم المرتع، و وبيل المكرع [٥] ، من جليل فادح و معتد قادح؛ و السلام عليك و رحمة اللّه التي اتسعت فوسعت، و كان بها إلى أهل التقوى عائدا؛ فإني أحمد إليك اللّه الذي لا إله إلا هو، راجيا لعطفك بعطفه.
أما بعد، كان اللّه لك بالدّعة في دار الزوال، و الأمن في دار الزلزال، فإنه من عنيت به فكرتك يا أمير المؤمنين مخصوصا، فما هو إلا سعيد يؤثر، أو شقي يوتر [٦] ؛ و قد حجبني عن نواظر السعد لسان مرصد و نافس حقد، انتهز به الشيطان حين الفكرة، فافتتح به أبواب الوسواس بما تحنق به الصدور؛ فوا غوثاه استعاذة بأمير المؤمنين من رجيم إنما سلطانه على الذين يتولونه، و اعتصاما بالتوكل على من خصه بما أجزل له من قسم الإيمان و صادق السنة، فقد أراد اللعين أن يفتق لأوليائه فتقا نبا عنه كيده، و كثر عليه تحسره، بلية قرع بها فكر أمير المؤمنين ملبسا
[١] أدلج: سار في أول الليل.
[٢] مهيم: أي ما حالك و ما شأنك، أو ما وراءك.
[٣] الزلة: الخطأ.
[٤] الصّغار: الذلّ و الوضاعة.
[٥] المكرع: الموضع حيث الماء.
[٦] يوتر: يقتل حميمه أو يدركه مكروه.