العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٢٣١ - هشام بن عبد الرحمن
و كتب أمية بن يزيد عنه كتابا إلى بعض عماله يستقصره فيما فرّط فيه من عمله، فأكثر و أطال الكتاب، فلما لحظه عبد الرحمن أمر بقطعه [١] ، و كتب:
أمّا بعد، فإن يكن التقصير لك مقدّما يعدّ الاكتفاء أن يكون لك مؤخرا، و قد علمت بما تقدّمت، فاعتمد على أيهما أحببت.
و كان ثار عليه ثائر بغربيّ بلدة [٢] ، فغزاه به و أسره، فبينما هو منصرف و قد حمل الثائر على بغل مكبولا، نظر إليه عبد الرحمن بن معاوية و تحته فرس له، فقنّع [٣] رأسه بالقناة، و قال: يا بغل، ما ذا تحمل من الشقاق و النفاق!قال الثائر: يا فرس، ما ذا تحمل من العفو و الرحمة!فقال له عبد الرحمن: و اللّه لا تذوق موتا على يدي أبدا.
هشام بن عبد الرحمن
ثم ولى هشام بن عبد الرحمن لسبع خلون من جمادي الآخرة سنة اثنتين و سبعين و مائة. و مات في صفر سنة ثمانين و مائة. و كانت ولايته سبع سنين و عشرة أشهر.
و مات و هو ابن إحدى و ثلاثين سنة.
و هو أحسن الناس وجها، و أشرفهم نفسا، الكامل المروءة، الحاكم بالكتاب و السنة، الذي أخذ الزكاة على حلها، و وضعها في حقها، لم يعرف منه هفوة في حداثته، و لا زلة في أيام صباه، و رآه يوما أبوه و هو مقبل ممتلئ شبابا فأعجبه فقال:
يا ليت نساء بني هاشم أبصرنه حتى يعدن فوارك [٤] .
و كان هشام يصر الصّرر بالأموال في ليالي المطر و الظّلمة، و يبعث بها إلى المساجد فيعطى من وجد فيها؛ يريد بذلك عمارة المساجد.
[١] قطعه: يريد تمزيقه.
[٢] بلدة: مدينة بالأندلس.
[٣] أي غشاه بها.
[٤] فوارك: جمع فارك: و هي المرأة تبغض زوجها.