العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٣٣٣ - استيحاش السفاح من ابن حسن
قال عبد العزيز: لم يكن يومئذ بيت مال.
ثم إن أبا العباس أتى بجوهر مروان فجعل يقلبه و عبد اللّه بن الحسن عنده، فبكى عبد اللّه، فقال له: ما يبكيك يا أبا محمد؟قال: هذا عند بنات مروان و ما رأت بنات عمك مثله قط؟قال: فحباه [١] به، ثم أمر ابن مقرّن الصيرفيّ أن يصل إليه و يبتاعه منه، فاشتراه منه بثمانين ألف دينار. ثم حضر خروج بني حسن فأرسل معهم رجلا من ثقاته، ثم قال له: قم بإنزالهم و لا تأل في إلطافهم؛ و كلما خلوت معهم فأظهر الميل إليهم و التحامل علينا و على ناحيتنا، و أنهم أحق بالأمر منا، و أحص لي ما يقولون و ما يكون منهم في مسيرهم و مقدمهم.
استيحاش السفاح من ابن حسن:
و مما كان خشن قلب أبي العباس حتى أساء بهم الظن، أنه لما بنى مدينة الأنبار دخلها مع أبي جعفر أخيه و عبد اللّه بن الحسن، و هو يسير بينهما و يريهما بنيانه و ما أقام فيها من المصانع و القصور؛ فظهرت من عبد اللّه بن الحسن فلتة، فجعل يتمثل بهذه الأبيات:
أ لم تر جوشنا قد صار يبني # قصورا نفعها لبني نفيله [٢]
يؤمل أن يعمّر عمر نوح # و أمر اللّه يحدث كلّ ليله!
قال: فتغير وجه أبي العباس؛ و قال له أبو جعفر: أ تراهما ابنيك أبا محمد و الأمر إليهما صائر لا محالة؟قال: لا و اللّه ما ذهبت هذا المذهب و لا أردته، و لا كانت إلا كلمة جرت على لساني لم ألق لها بالا.
فأوحشت تلك الكلمة أبا العباس.
[١] حباه به: أعطاه إياه.
[٢] الجوشن: الصدر و الدرع.