العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٢٥٢ - سنة ثمان و ثلاثمائة
ألقى إليه باليدين ضارعا # و سال أن يبقى عليه وادعا
و أن يكون عاملا في طاعته # على درور الخرج من جبايته
فوثق الإمام من رهانه # كيلا يكون في عمى من شانه
و قبل الإمام ذاك منه # فضلا و إحسانا و سار عنه
سنة ثمان و ثلاثمائة
ثم غزا الإمام دار الحرب # فكان خطبا يا له من خطب
فحشدت إليه أعلام الكور # و من له في النار ذكر و خطر [١]
إلى ذوي الديوان و الرايات # و كلّ منسوب إلى الشامات
و كلّ من أخلص للرّحمن # بطاعة في السر و الإعلان
و كلّ من طاوع بالجهاد # أو ضمه سرج على الجياد
فكان حشدا يا له من حشد # من كلّ حرّ عندنا و عبد
فتحسب الناس جرادا منتشر # كما يقول ربّنا فيمن حشر
ثم مضى المظفّر المنصور # على جبينه الهدى و النّور
أمامه جند من الملائكة # آخذة لربّها و تاركه
حتى إذا فوّز في العدوّ # جنّبه الرحمن كل سو [٢]
و أنزل الجزية و الدواهي # على الذين أشركوا باللّه
فزلزلت أقدامهم بالرّعب # و استنفروا من خوف نار الحرب
و اقتحموا الشّعاب و المكامنا # و أسلموا الحصون و المدائنا [٣]
فما تبقّى من جناب دور # من بيعة لراهب أو دير
إلا و قد صيّرها هباء # كالنار إذ وافقت الأباء [٤]
و زعزعت كتائب السّلطان # بكلّ ما فيها من البنيان
فكان من أوّل حصن زعزعوا # و من به من العدوّ أوقعوا
[١] الكور: جمع الكورة: و هي الناحية.
[٢] فوّز: مضى.
[٣] الشّعاب: الطرق.
[٤] الأباء: القصب.