العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١٦٠ - مقتل مصعب بن الزبير
و لما قتل مصعب خرجت سكينة بنت الحسين تريد المدينة، فأطاف بها أهل العراق، و قالوا: أحسن اللّه صحابتك يا أبنة رسول اللّه!فقالت: لا جزاكم اللّه عني خيرا، و لا أخلف عليكم بخير من أهل بلد!قتلتم أبي و جدّي و عمي و زوجي! أيتمتموني صغيرة، و أرملتموني كبيرة! و لما بلغ عبد اللّه بن الزبير قتل مصعب، صعد المنبر فجلس عليه، ثم سكت فجعل لونه يحمّر مرة و يصفرّ مرة؛ فقال رجل من قريش لرجل إلى جنبه: ما له لا يتكلم، فو اللّه إنه للخطيب اللبيب. فقال له الرجل: لعله يريد أن يذكر مقتل سيّد العرب فيشتدّ ذلك عليه، و غير ملوم!ثم تكلم فقال:
الحمد للّه الذي له الخلق و الأمر، و[ملك]الدنيا و الآخرة يؤتي الملك من يشاء، و ينزع الملك ممن يشاء، و يعز من يشاء، و يذل من يشاء [١] .
أمّا بعد: فإنه لم يعزّ من كان الباطل معه و لو كان معه الأنام طرّا، و لم يذلّ من كان الحقّ معه و لو كان فردا؛ ألا و إنّ خبرا من العراق أتانا فأحزننا و أفرحنا؛ فأمّا الذي أحزننا؛ فإن لفراق الحميم لوعة يجدها حميمه، ثم يرعوي ذوو الألباب إلى الصبر و كريم الأجر، و أمّا الذي أفرحنا فإن قتل مصعب له شهادة و لنا ذخيرة.
أسلمه الطّغام [٢] ، الصم الآذان، أهل العراق، و باعوه بأقل من الثمن الذي كانوا يأخذون منه، فإن يقتل فقد قتل أخوه و أبوه و ابن عمه، و كانوا الخيار الصالحين؛ إنّا و اللّه لا نموت حتف [٣] أنوفنا كما يموت بنو مروان، و لكن قعصا [٤] بالرماح و موتا تحت ظلال السيوف، فإن تقبل الدنيا عليّ لم آخذها مأخذ الأشر [٥] البطر [٦] ، و إن تدبر عني لم أبك عليها بكاء الخرف الزائل العقل.
[١] سورة آل عمران الآية ٢٦.
[٢] الطّغام: أرذل الناس و أوغادهم.
[٣] مات حتف أنفه: أي مات على فراشه.
[٤] مات قعصا: أصابته ضربة أو رمية فمات مكانه.
[٥] الأشر: البطر و المستكبر.
[٦] البطر: الذي غلا في المرح و الزهو.