العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١٤١ - فتنة ابن الزبير
إخوته، و مصعب بن عبد الرحمن بن عوف، و المسور بن مخرمة؛ و كان حصين بن نمير قد نصب المجانيق [١] على أبي قبيس و على قعيقعان [٢] ، فلم يكن أحد يقدر أن يطوف بالبيت؛ فأسند ابن الزبير ألواحا من ساج على البيت، و ألقى عليها الفرش و القطائف [٣] ، فكان إذا وقع عليها الحجر [٤] نبا عن البيت، فكانوا يطوفون تحت تلك الألواح، فإذا سمعوا أصوات الحجر حين يقع على الفرش و القطائف كبّروا؛ و كان ابن الزبير قد ضرب فسطاطا [٥] في ناحية، فكلما جرح رجل من أصحابه أدخله ذلك الفسطاط، فجاء رجل من أهل الشام بنار في طرف سنانه، فأشعلها في الفسطاط، و كان يوما شديد الحرّ، فتمزق الفسطاط، فوقعت النار على الكعبة فاحترق الخشب و السقف، و انصدع الركن و احترقت الأستار و تساقطت إلى الأرض.
قال: ثم اقتتلوا مع أهل الشام أياما بعد حريق الكعبة.
قال أبو عبيد: احترقت الكعبة يوم السبت لست خلون من ربيع الأول سنة أربع و ستين، فجلس أهل مكة في جانب الحجر و معهم ابن الزبير، و أهل الشام يرمونهم بالنبل و الحجارة، فوقعت نبلة بين يدي ابن الزبير، فقال: في هذه خير!فأخذها فوجد فيها مكتوبا: مات يزيد بن معاوية يوم الخميس لأربع عشرة خلت من ربيع الأول. فلما قرأ ذلك قال: يا أهل الشام، يا أعداء اللّه، و محرقي بيت اللّه، علام تقاتلون و قد مات طاغيتكم! فقال حصين بن نمير: موعدك البطحاء [٦] الليلة أبا بكر.
فلما كان الليل، خرج ابن الزبير بأصحابه، و خرج حصين بأصحابه إلى البطحاء،
[١] المجانيق: جمع منجنيق: و هي آلة قديمة من آلات الحصار، كانت ترمى بها حجارة ثقيلة على الأسوار فتهدمها.
[٢] أبو قبيس: اسم الجبل المشرف على مكة. وجهه قعيقعان و مكة بينهما.
[٣] القطائف: جمع قطيفة، و هي دثار مخمل.
[٤] الحجر: أي حجر الكعبة.
[٥] الفسطاط: بيت يتخذ من الشعر.
[٦] البطحاء: يريد بطحاء مكة.