العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٣٢٤ - الرشيد و إسحاق بن علي في البرامكة
وهبتكه و جعلتك في حلّ منه؟و قامت عنه، و بقي مبهوتا ما يحير لفظه. قال سهل:
و خرجت فلم تعد، و لا و اللّه ما رأيت لها عبرة و لا سمعت لها أنّة.
قال سهل: و كان الأمين محمد بن زبيدة رضيع يحيى بن جعفر، فمتّ [١] إليه يحيى ابن خالد بذلك، فوعده استيهاب أمّه إياهم و تكلمها فيهم؛ ثم شغله اللهو عنهم، فكتب إليه يحيى، و يقال: إنها لسليمان الأعمى أخي مسلم بن الوليد، و كان منقطعا إلى البرامكة-يقول:
يا ملاذي و عصمتي و عمادي # و مجيري من الخطوب الشّداد
بك قام الرّجاء في كلّ قلب # زاد فيه البلاء كلّ مزاد
إنما أنت نعمة أعقبتها # نعم نفعها لكلّ العباد
وعد مولاك أتممنه فأبهى الدّ # رّ ما زيد حسنه بانعقاد
ما أظلّت سحائب اليأس إلاّ # كان في كشفها عليك اعتمادي
إن تراخت يداك عني فواقا # أكلتني الأيام أكل الجراد [٢]
و بعث بها الأمين محمد، فبعث بها الأمين محمد إلى أمه زبيدة، فأعطتها هارون و هو في موضع لذته و عند إقبال أريحيّته، و تهيأت للاستشفاع لهم، و عبّأت جواريها و مغنّياتها و أمرتهن بالقيام معها إذا قامت؛ فلما فرغ الرشيد من قراءتها لم ينقض حبوته حتى وقّع في أسفلها: عظم ذنبك أمات خواطر العفو عنك!و رمى بها إلى زبيدة، فلما رأت توقيعه علمت أنه لا يرجع عنه.
الرشيد و إسحاق بن علي في البرامكة:
و قال بعض الهاشميين: أخبرني إسحاق بن علي بن عبد اللّه بن العباس، قال: كنت أساير الرشيد يوما و الأمين عن يمينه و المأمون عن شماله؛ فاستدناني و قدّمهما أمامه، فسايرته، فجعل يحدثني، ثم بدأ يشاورني في أمر البرامكة، و أخبرني بما أضمر عليه
[١] متّ إليه: توسل.
[٢] الفواق: ما بين الحلبتين من الوقت.