العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١٥١ - ولاية عبد الملك بن مروان
و قال زفر بن الحارث لعبد الملك بن مروان: الحمد للّه الذي نصرك على كرّه من المؤمنين. فقال أبو زعيزعة: ما كره ذلك إلا كافر. فقال زفر: كذبت، قال اللّه لنبيه: كَمََا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَ إِنَّ فَرِيقاً مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ لَكََارِهُونَ [١] .
و بعث عبد الملك بن مروان إلى المدينة حبيش بن دلجة القيني في سبعة آلاف فدخل المدينة و جلس على منبر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم، فدعا بخبز و لحم فأكل، ثم دعا بماء فتوضأ على المنبر، ثم دعا جابر بن عبد اللّه صاحب النبي صلّى اللّه عليه و سلم، فقال: تبايع لعبد الملك بن مروان أمير المؤمنين بعهد اللّه عليك و ميثاقه، و أعظم ما أخذ اللّه على أحد من خلقه في الوفاء، فإن خنتنا فهراق [٢] اللّه دمك على ضلاله. قال: أنت أطوق لذلك مني، و لكن أبايعه على ما بايعت عليه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم يوم الحديبية، على السمع و الطاعة.
ثم خرج ابن دلجة من يومه ذلك إلى الربذة، و قدم على أثره من الشام رجلان مع كل واحد منهما جيش، ثم اجتمعوا جميعا في الرّبذة، و ذلك في رمضان سنة خمس و ستين و أميرهم ابن دلجة.
و كتب ابن الزبير إلى العباس بن سهل الساعدي بالمدينة أن يسير إلى حبيش بن دلجة، فصار حتى لقيه بالربذة.
و بعث الحراث بن عبد اللّه بن أبي ربيعة، و هو عامل ابن الزبير على البصرة، مددا إلى العباس بن سهل: حنيف بن السّجف في تسعمائة من أهل البصرة، فساروا حتى انتهوا إلى الربذة.
فبات أهل البصرة و أهل المدينة يقرءون القرآن و يصلّون، و بات أهل الشام في المعازف و الخمور؛ فلما أصبحوا غدوا على القتال، فقتل حبيش بن دلجة و من معه، فتحصن منهم خمسمائة رجل من أهل الشام على عمود الربذة، و هو الجبل الذي عليها،
[١] سورة الأنفال الآية ٥.
[٢] هراق دم عدوه: سفكه و قتله.