العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١٤٩ - ولاية عبد الملك بن مروان
و كتب محمد بن الحنفية ببيعته لما قتل ابن الزبير، و كان في كتابه:
إني اعتزلت الأمة عند اختلافها، فقعدت في البلد الحرام الذي من دخله كان آمنا، لأحرز ديني، و أمنع دمي، و تركت الناس قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلىََ شََاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدىََ سَبِيلاً [١] . و قد رأيت الناس قد اجتمعوا عليك، و نحن عصابة من أمتنا لا نفارق الجماعة؛ و قد بعثت إليك منا رسولا ليأخذ لنا منك ميثاقا، و نحن أحق بذلك منك، فإن أبيت فأرض اللّه واسعة، و العاقبة للمتقين.
فكتب إليه عبد الملك: قد بلغني كتابك بما سألته من الميثاق لك و للعصابة التي معك، فلك عهد اللّه و ميثاقه أن لا تهاج في سلطاننا، غائبا و لا شاهدا و لا أحد من أصحابك ما وفوا ببيعتهم، فإن أحببت المقام بالحجاز فأقم، فلن ندع صلتك و برّك؛ و إن أحببت المقام عندنا فاشخص إلينا، فلن ندع مواساتك؛ و لعمري لئن ألجأناك إلى الذهاب في الأرض خائفا لقد ظلمناك و قطعنا رحمك؛ فاخرج إلى الحجاج فبايع، فإنك أنت المحمود عندنا دينا و رأيا، و خير من ابن الزبير و أرضي و أتقى.
و كتب إلى الحجاج بن يوسف:
لا تعرض لمحمد و لا لأحد من أصحابه.
و كان في كتابه:
جنّبني دماء بني عبد المطلب؛ فليس فيها شفاء من الحرب [٢] ؛ و إني رأيت بني حرب سلبوا ملكهم لما قتلوا الحسين بن علي.
فلم يتعرض الحجاج لأحد من الطالبيين في أيامه.
أبو الحسن المدائني قال: كان يقال: معاوية أحلم، و عبد الملك أحزم.
[١] سورة الإسراء ٨٤.
[٢] الحرب: الغضب.