العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٢٧٨ - أخبار الحجاج
عضيدة لقد تجاوزت مياها عذبا، أ خسفت [١] أم أوشلت؟قال: لا واحد منها، و لكن نبطا بين الماءين. قال: و كيف يكون قدره؟قال: مرت بنا رفقة فيها خمسة و عشرون جملا، فرويت الإبل و أهلها. قال: أو للإبل حفرتها؟إنما حفرتها للناس.
إن الإبل ضمر خسف [٢] ، ما جشّمت تجشّمت.
بعث عبد الملك بن مروان إلى الحجاج بن يوسف واليا على العراق، و أمره أن يحشر الناس إلى المهلب في حرب الأزارقة، فلما أتى الكوفة صعد المنبر متلثما متنكبا قوسه، فجلس واضعا إبهامه على فيه، فنظر محمد بن عمير بن عطارد التميمي، فقال:
لعن اللّه هذا و لعن من أرسله إلينا؛ أرسل غلاما لا يستطيع أن ينطق عيّا، و أخذ حصاة بيده ليحصبه [٣] بها، فقال له جليسه: لا تعجل حتى ننظر ما يصنع. فقام الحجاج فكشف لثامه عن وجهه و قال:
أنا ابن جلا و طلاّع الثّنايا # متى أضع العمامة تعرفوني [٤]
صليب العود من سلفي نزار # كنصل السيف وضّاح الجبين
أخو خمسين مجتمع أشدّي # و نجّذني مداورة الشّئون [٥]
أما و اللّه إني لا أحمل الشر بثقله، و أحذوه بنعله، و أجزيه بمثله؛ أما و اللّه إني لأرى رءوسا قد أينعت و حان قطافها، و كأني أرى الدماء بين العمائم و اللحى تترقرق:
هذا أوان الشدّ فاشتدّي زيم # قد لفّها الليل بسوّاق حطم [٦]
ليس براعي إبل و لا غنم # و لا بجزّار على ظهر و ضم [٧]
[١] خسف البئر: اذا حفرها في حجارة فتبعث بماء كثيرة.
[٢] خسف: هزيلة.
[٣] حصب: رمى بالحصباء و نحوها.
[٤] الثنايا: جمع ثنيّة: و هي الطريق في الجبل. و طلاع الثنايا: جلد يتحمل المشاق، أو ساع لمعالي الأمور.
[٥] المنجذ: المجرب و الذي أصابته البلايا.
[٦] زيم: ناقة أو فرس. و اشتدي: اسرعي. و الحطم: الراعي إذا كان عنيفا.
[٧] الوضم: كل شيء يوضع عليه اللحم.