العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٢٤٤ - أول غزاة غزاها أمير المؤمنين عبد الرحمن بن محمد
أول غزاة غزاها أمير المؤمنين عبد الرحمن بن محمد
ثم انتحى جيّان في غزاته # بعسكر يسعر من حماته
فاستنزل الوحش من الهضاب # كأنما حطّت من السّحاب
فأذعنت مرّاقها سراعا # و أقبلت حصونها تداعى [١]
لمّا رماها بسيوف العزم # مشحوذة على دروع الحزم
كادت لها أنفسهم تجود # و كادت الأرض بهم تميد [٢]
لو لا الإله زلزلت زلزالها # و أخرجت من رهبة أثقالها
فأنزل الناس إلى البسيط # و قطع البين من الخليط
و افتتح الحصون حصنا حصنا # و أوسع الناس جميعا أمنا
و لم يزل حتى انتحى جيّانا # فلم يدع بأرضها شيطانا
فأصبح الناس جميعا أمّه # قد عقد الإلّ لهم و الذّمّه [٣]
ثم انتحى من فوره إلبيره # و هي بكلّ آفة مشهورة [٤]
فداسها بخيله و رجله # حتى توطّأ خدّها بنعله
و لم يدع من جنّها مريدا # بها و لا من إنسها عنيدا [٥]
إلاّ كساه الذّل و الصّغارا # و عمّه و أهله دمارا
فما رأيت مثل ذاك العام # و مثل صنع اللّه للإسلام
فانصرف الأمير من غزاته # و قد شفاه اللّه من عداته
و قبلها ما خضعت و أذعنت # إستجّة و طالما قد صنعت [٦]
و بعدها مدينة الشّنيل # ما أذعنت للصّارم الصّقيل [٧]
[١] أذعنت: رضخت.
[٢] تميد بهم الأرض: تدور كأنها تضطرب به.
[٣] الإلّ: العهد.
[٤] البيرة: كورة كبيرة من الأندلس.
[٥] المريد: الشديد العتو، و الخبيث المتمرد.
[٦] إستجة: كورة بالاندلس.
[٧] الشنيل: أحد نهري غرناطة.