العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١٠٨ - مقتل علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه
ابن العاص، دخل ابن ملجم المسجد في بزوغ الفجر الأول، فدخل في الصلاة تطوّعا، ثم افتتح في القراءة و جعل يكرر هذه الآية: وَ مِنَ اَلنََّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ اِبْتِغََاءَ مَرْضََاتِ اَللََّهِ [١] فأقبل ابن أبي طالب بيده مخفقة [٢] و هو يوقظ الناس للصلاة و يقول: أيها الناس، الصلاة الصلاة. فمرّ بابن ملجم و هو يردّد هذه الآية، فظن عليّ أنه ينسى فيها، ففتح عليه فقال.. وَ اَللََّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبََادِ [٣] ثم انصرف علي و هو يريد أن يدخل الدار، فاتبعه فضربه على قرنه [٤] ، و وقع السيف في الجدار فأطار فدرة [٥] من آخره، فابتدره الناس فأخذوه، و وقع السيف منه، فجعل يقول: أيها الناس، احذروا السيف فإنه مسموم!قال: فأتي به علي، فقال: احبسوه ثلاثا و أطعموه و اسقوه، فإن أعش أر فيه رأيي، و إن أمت فاقتلوه و لا تمثّلوا به، فمات من تلك الضربة، فأخذه عبد اللّه بن جعفر فقطع يديه و رجليه، فلم يفزع، ثم أراد قطع لسانه ففزع؛ فقيل له: لم لم تفزع لقطع يديك و رجليك و فزعت لقطع لسانك؟قال: إني أكره أن تمرّ بي ساعة لا أذكر اللّه فيها!ثم قطعوا لسانه و ضربوا عنقه.
و توجه الخارجي الآخر إلى معاوية فلم يجد إليه سبيلا.
و توجه الثالث إلى عمرو فوجده قد أغفل تلك الليلة فلم يخرج إلى الصلاة، و قدّم مكانه رجلا يقال له خارجة فضربه الخارجي بالسيف و هو يظنه عمرو بن العاص، فقتله؛ فأخذه الناس فقالوا: قتلت خارجة!قال: أ و ليس عمرا؟قالوا له: لا!قال:
أردت عمرا و أراد اللّه خارجة! و في الحديث أن النبي صلّى اللّه عليه و سلم قال لعلي: أ لا أخبرك بأشد الناس عذابا يوم القيامة؟ قال: أخبرني يا رسول اللّه. قال: فإن أشد الناس عذابا يوم القيامة: عاقر ناقة ثمود، و خاضب لحيتك بدم رأسك!
[١] سورة البقرة الآية ٢٠٧.
[٢] المخفقة: الدرة أو سوط من خشب.
[٣] سورة البقرة الآية ٢٠٧.
[٤] القرن من رأس الإنسان: جانبه و موضع القرن منه.
[٥] الفدرة: القطعة.