العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٢١٥ - مقتل مروان بن محمد بن مروان
و تقطع الجيش، يتنكبون [١] العمران، فيأتون الماء فيقيمون عليه الأيام، فتمضى طائفة و تقيم الأخرى، حتى بلغ العطش منهم؛ فكانوا يتحرون الدابة فيقطعون أكراشها فيشربونه، حتى وصلوا إلى البحر بحيال المندب؛ و وافاهم عبد اللّه و عليه مقرمة [٢] قد جاء بها، فكانوا جميعا خمسين أو أربعين رجلا، فيهم الحجاج بن قتيبة ابن مسلم الحرون، و عفان مولى بني هاشم، فعبروا إليهم البحر في السفن، فمشوا إلى المندب، فأقاموا بها شهرا فلم تحملهم، فخرجوا إلى مكة. و قال بعضهم: أعلم بهم العامل، فخرجوا مع الحجاج عليهم ثياب غلاظ و جباب الأكرياء [٣] ، حتى وافوا جدة و قد تقطعت أرجلهم من المشي، فمرّوا بقوم فرقّوا لهم فحملوهم، و فارق عبد اللّه الحجاج بجدة، ثم حجوا و خرجوا من مكة إلى تبالة.
و كان على عبد اللّه فصّ [٤] أحمر كان قد غيّبه حين عبر إلى المندب، فلما أمن استخرجه، و كانت قيمته ألف دينار، و كان يقول و هو يمشي: ليت به دابة!حتى صار في مقرمة تكون عليه بالنهار فيلبسها بالليل؛ فقالوا: ما رأينا مثل عبد اللّه، قاتل فكان أشد الناس، و مشوا فكان أقواهم؛ و جاعوا فكان أصبرهم و عروا فكان أحسنهم عريا!و بعث و هو بالمندب إلى العدو الذين أخذوا أم الحكم بنت أخيه عبيد اللّه، ففداها و ردّها إليه؛ فكانت معه.
ثم أخذ عبد اللّه فقدم به على المهدي، فجاءت امرأته بنت يزيد بن محمد بن مروان بن الحكم، فكلمت العباس بن يعقوب كاتب عيسى بن علي و أعطته لؤلؤا، ليكلم فيه عيسى: فكلمه و أعلمه بما أعطته؛ فلم يكلم فيه عيسى بن علي المهديّ؛ و أراد المهدي أن يقتله؛ فقال له عيسى: إن له في أعناقنا بيعة؛ و قد أعطى كاتبي قيمة ثلاثين ألف درهم. فحبسه المهدي.
[١] يتنكبون العمران: يتجنبونه.
[٢] المقرمة: ثوب من صوف ملون فيه الوان من العهن.
[٣] الأكرياء: جمع الكري: الأجير، و الذي يكريك دابته.
[٤] الفصّ: ما يركّب في الخاتم من الحجارة الكريمة و غيرها.