العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١٥٠ - ولاية عبد الملك بن مروان
و خطب الناس عبد الملك فقال: أيها الناس إني و اللّه ما أنا بالخليفة المستضعف- يريد عثمان بن عفان-و لا بالخليفة المداهن-يريد معاوية بن أبي سفيان-و لا بالخليفة المأفون [١] -يريد يزيد بن معاوية-فمن قال برأسه كذا، قلنا بسيفنا كذا!ثم نزل.
و خطب عبد الملك على المنبر فقال: أيها الناس، إن اللّه حد حدودا، و فرض فروضا؛ فما زلتم تزدادون في الذنب و نزداد في العقوبة، حتى اجتمعنا نحن و أنتم عند السيف! أبو الحسن المدائني قال: قدم عمر بن أبي طالب على عبد الملك، فسأله أن يصيّر إليه صدقة علي، فقال عبد الملك متمثلا بأبيات ابن أبي الحقيق:
إني إذا مالت دواعي الهوى # و أنصت السّامع للقائل
و اعتلج الناس بآرائهم # نقضي بحكم عادل فاصل [٢]
لا نجعل الباطل حقا و لا # نرضى بدون الحقّ للباطل
لا، لعمري لا نخرجها من ولد الحسين إليك. و أمر له بصلة، و رجع.
و قال عبد الملك بن مروان لأيمن بن خريم: إن أباك و عمك كانت لهما صحبة؛ فخذ هذا المال فقاتل ابن الزبير. فأبى، فشتمه عبد الملك، فخرج و هو يقول:
فلست بقاتل رجلا يصلّي # على سلطان آخر من قريش
له سلطانه و عليّ إثمي # معاذ اللّه عن سفه و طيش
و قال أيمن بن خريم أيضا:
إنّ للفتنة هيطا بيّنا # فرويد الميل منها يعتدل [٣]
فإذا كان عطاء فانتهز # و إذا كان قتال فاعتزل
إنما يوقدها فرسانها # حطب النار فدعها تشتعل
[١] المأفون: الناقص العقل.
[٢] اعتلجوا: التحموا صراعا و قتالا.
[٣] الهيط: الضجيج و الجلبة.