العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٢٧٤ - أخبار زياد
أباكم ركب أمرا عظيما في الإسلام بادّعائه إلى أبي سفيان؛ فو اللّه ما علمت سميّة بغت قط؛ و قد استأذن أمير المؤمنين في الحج، و هو مارّ بالمدينة لا محالة، و بها أمّ حبيبة ابنة أبي سفيان زوج النبي صلّى اللّه عليه و سلم، و لا بد له من الاستئذان عليها، فإن أذنت له فقعد منها مقعد الأخ من أخته، فقد انتهك من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم حرمة عظيمة، و إن لم تأذن له فهو عار الأبد. ثم خرج، فقال له زياد: جزاك اللّه خيرا من أخ فما تدع النصيحة على حال. و كتب إلى معاوية يستقيله، فأقاله.
و كتب زياد إلى معاوية: إني قد أخذت العراق بيميني، و بقيت شمالي فارغة. و هو يعرّض له بالحجاز. فبلغ ذلك عبد اللّه بن عمر رضي اللّه عنهما، فقال: اللهم اكفنا شماله!فعرضت له قرحة في شماله فقتلته.
و لما بلغ عبد اللّه بن عمر موت زياد قال: اذهب إليك ابن سمية، لا يدا رفعت عن حرام و لا دنيا تملّيت [١] .
قال زياد لعجلان حاجبه: كيف تأذن للناس؟قال: على البيوتات، ثم على الأنساب، ثم على الآداب. قال: فمن تؤخر؟قال: من لا يعبأ اللّه بهم. قال: و من هم؟قال: الذين يلبسون كسوة الشتاء في الصيف، و كسوة الصيف في الشتاء.
و قال زياد لحاجبه: وليتك حجابتي و عزلتك عن أربع: هذا المنادي إلى اللّه في الصلاة و الفلاح، لا تعوجنّه [٢] فلا سلطان لك عليه؛ و طارق الليل لا تحجبه فشر ما جاء به، و لو كان خيرا ما جاء في تلك الساعة؛ و رسول اللّه صاحب الثغر [٣] ، فإنه إن أبطأ ساعة أفسد عمل سنة؛ و صاحب الطعام، فإن الطعام إذا أعيد تسخينه فسد.
و قال عجلان حاجب زياد: صار لي في يوم واحد مائة ألف دينار و ألف سيف قيل له: و كيف ذلك؟قال: أعطى زياد ألف رجل مائتي ألف دينار و سيفا سيفا، فأعطاني كل رجل منهم نصف عطائه و سيفه.
[١] تمليت: استمتعت.
[٢] تعوجنّه: تعطفنّه.
[٣] الثغر: كل موضع قريب من أرض العدو.