العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٢٩٤ - من أخبار الحجاج
عبد الملك و الحجاج و ابن عمر:
إبراهيم بن مرزوق عن سعيد بن جويرية قال: لما كان عام الجماعة، كتب عبد الملك بن مروان إلى الحجاج: انظر ابن عمر فاقتد به و خذ عنه. يعني في المناسك، قال: فلما كان عشية عرفة، سار الحجاج بين يدي عبد اللّه ابن عمر و سالم ابنه، فقال له سالم: إن أردت أن تصيب السّنة [١] اليوم فأوجز الخطبة و عجّل الصلاة. قال:
فقطّب و نظر إلى عبد اللّه بن عمر، فقال: صدقت. فلما كان عند الزوال مرّ عبد اللّه بن عمر بسرادقه و قال: الرواح [٢] فما لبث أن خرج و رأسه يقطر كأنه قد اغتسل، فلما أفاض [٣] الناس رأيت الدم يتحدر من النجيبة [٤] التي عليها ابن عمر، فقلت: أبا عبد الرحمن، عقرت النجيبة!قال: أنا عقرت ليس النجيبة. و كان أصابه زج [٥] رمح بين إصبعين من قدمه، فلما صرنا بمكة دخل عليه الحجاج عائدا فقال: يا أبا عبد الرحمن، لو علمت من أصابك لفعلت و فعلت، قال له: أنت أصبتني. قال غفر اللّه لك، لم تقول هذا؟قال: حملت السلاح في يوم لا يحمل فيه السلاح، و في بلد لا يحمل فيه السلام.
من أخبار الحجاج:
أبو الحسن المدائني قال: أخبرني من دخل المسجد و الحجاج على المنبر و قد ملأ صوته المسجد بأبيات سويد بن أبي كاهل اليشكري حيث يقول:
ربّ من أنضجت غيظا صدره # قد تمنّى لي موتا لم يطع
ساء ما ظنّوا و قد أبليتهم # عند غايات المدى كيف أقع [٦]
[١] السنة: السيرة، و العمل المحمود في الدين مما ليس فرضا و لا واجبا.
[٢] الرواح: الراحة: أو الوقت من زوال الشمس إلى الليل، و يقابله الصباح.
[٣] أفاض الحجاج: انصرفوا إلى منى بعد انقضاء الموقف في عرفات.
[٤] يقال نجائب الإبل أي خيارها. و نجائب، جمع نجيبه.
[٥] الزّج: الحديدة في أسفل الرمح.
[٦] أبليتهم: أي عرفوا مني و استيقنوا و المدى: الغاية.