العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٢٣٠ - عبد الرحمن بن معاوية بن هشام
ثمان و عشرين سنة. و توفي في عشرة من جمادي الأولى سنة اثنتين و سبعين و مائة، فكان ملكه اثنتين و ثلاثين سنة و خمسة أشهر، و كان يقال له صقر قريش، و ذلك أنّ أبا جعفر المنصور قال لأصحابه: أخبروني عن صقر قريش من هو؟قالوا: أمير المؤمنين الذي راض الملك، و سكّن الزلازل، و حسم الأدواء، و أباد الأعداء. قال: ما صنعتم شيئا. قالوا: فمعاوية. قال: و لا هذا. قالوا: فعبد الملك بن مروان. قال: و لا هذا. قالوا: فمن يا أمير المؤمنين؟قال: عبد الرحمن بن معاوية، الذي عبر البحر، و قطع القفر، و دخل بلدا أعجميا مفردا. فمصّر الأمصار، و جند الأجناد، و دوّن الدواوين، و أقام ملكا بعد انقطاعه، بحسن تدبيره، و شدّة شكيمته [١] ، إنّ معاوية نهض بمركب حمله عليه عمر و عثمان و ذللا له صعبه، و عبد الملك ببيعة تقدّم له عقدها، و أمير المؤمنين بطلب عشيرته و اجتماع شيعته، و عبد الرحمن منفرد بنفسه، مؤيد برأيه، مستصحب لعزمه.
و قالوا لما توطد ملك عبد الرحمن بن معاوية عمل هذه الأبيات و أخرجها إلى وزرائه فاستغربت من قوله إذ صدقها فعله، و هي:
ما حقّ من قام ذا امتعاض # منتضي الشّفرتين نصلا
فبزّ ملكا و ساد عزّا # و منبرا للخطاب فصلا [٢]
فجاز قفرا و شقّ بحرا # مساميا لجّة و محلا [٣]
و جنّد الجند حين أودى # و مصّر المصر حين أجلى [٤]
ثم دعا أهله جميعا # حيث انتأوا أن هلمّ أهلا [٥]
فجاء هذا طريد جوع # شريد سيف أبيد قتلا
فحلّ أمنا و نال شبعا # و حاز مالا و ضمّ شملا
أ لم يكن حقّ ذا على ذا # أوجب من منعم و مولى؟
[١] شدة الشكيمة: الأنف و الإباء.
[٢] بزّ: غلب.
[٣] اللّجة: معظم البحر و تردد أمواجه.
[٤] أودى: هلك.
[٥] انتأوا: بعدوا.