العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١٥٧ - مقتل عمرو بن سعيد الأشدق
يا أمير المؤمنين. لصلاة الظهر، فقال لعبد العزيز بن مروان: اقتله حتى أرجع إليك من الصلاة. فلما أراد عبد العزيز أن يضرب عنقه، قال له عمرو، أنشدتك بالرحم يا عبد العزيز أن لا تقتلني من بينهم!فجاء عبد الملك فرآه جالسا، فقال: مالك لم تقتله؟لعنك اللّه و لعن أمّا ولدتك!ثم قال: قدّموه إليّ. فأخذ الحربة بيده فقال:
فعلتها يا بن الزرقاء، فقال له عبد الملك: إني لو علمت أنك تبقى و يصلح لي ملكي لفديتك بدم الناظر [١] ، و لكن قلّما اجتمع فحلان في ذود [٢] إلا عدا أحدهما على الآخر. ثم رفع إليه الحربة فقتله، و قعد عبد الملك يرعد، ثم أمر به فأدرج في بساط و أدخل تحت السرير. و أرسل إلى قبيصة بن ذؤيب الخزاعي فدخل عليه، فقال: كيف رأيك في عمرو بن سعيد الأشدق؟قال-و أبصر قبيصة رجل عمرو تحت السرير، فقال: اضرب عنقه يا أمير المؤمنين!قال: جزاك اللّه خيرا، ما علمت إنك لموفّق، قال قبيصة: اطرح رأسه و انثر على الناس الدنانير يتشاغلون بها. ففعل.
و افترق الناس، و هرب يحيى بن سعيد بن العاص حتى لحق بعبد اللّه بن الزبير بمكة فكان معه.
و أرسل عبد الملك بن مروان بعد قتله عمرو بن سعيد إلى رجل كان يستشيره و يصدر عن رأيه إذا ضاق عليه الأمر، فقال له: ما ترى ما كان من فعلي بعمرو بن سعيد؟قال: أمر قد فات دركه [٣] . قال: لتقولنّ. قال: حزم لو قتلته و حييت أنت! قال: أ و لست بحيّ؟قال: هيهات، ليس بحيّ من أوقف نفسه موقفا لا يوثق منه بعهد و لا عقد. قال: كلام لو تقدّم سماعه فعلي لأمسكت! و لما بلغ عبد اللّه بن الزبير قتل عمرو بن سعيد، صعد المنبر فحمد اللّه و أثنى عليه، ثم قال:
[١] الناظر: العين.
[٢] الذود: معتلف الدابة.
[٣] الدرك: التبعة.