العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٣٥ - أمر الشورى في خلافة عثمان بن عفان
العتبي عن أبيه: أن عتبة بن أبي سفيان قال: كنت مع معاوية في دار كندة، إذ أقبل الحسن و الحسين و محمد، بنو علي بن أبي طالب، فقلت: يا أمير المؤمنين إن لهؤلاء القوم أشعارا و أبشارا، و ليس مثلهم كذب، و هم يزعمون أن أباهم كان يعلم. فقال:
إليك من صوتك فقد قرب القوم، فإذا قاموا فذكرني بالحديث، فلما قاموا قلت: يا أمير المؤمنين ما سألتك عنه من الحديث؟قال: كل القوم كان يعلم و كان أبوهم من أعلمهم. ثم قال: قدمت على عمر بن الخطاب، فإني عنده إذ جاءه عليّ و عثمان و طلحة و الزبير و سعد و عبد الرحمن بن عوف فاستأذنوا، فأذن لهم، فدخلوا و هم يتدافعون و يضحكون، فلما رآهم عمر نكس [١] ، فعلموا أنه على حاجة، فقاموا كما دخلوا؛ فلما قاموا أتبعهم بصره فقال: فتنة أعوذ باللّه من شرّهم، و قد كفاني اللّه شرهم! قال: و لم يكن عمر بالرجل يسأل عما لا يفسّر؛ فلما خرجت جعلت طريقي على عثمان؛ فحدثته الحديث و سألته الستر، قال: نعم، على شريطة. قلت: هي لك. قال:
تسمع ما أخبرك به و تسكت إذا سكتّ. قلت: نعم. قال: ستة يقدح بينهم زناد الفتنة، يجري الدم منهم على أربعة. قال: ثم سكت، و خرجت إلى الشام، فلما قدمت على عمر فحدث من أمره ما حدث-فلما مضت الشورى-ذكرت الحديث؛ فأتيت بيت عثمان و هو جالس و بيده قضيب فقلت: يا أبا عبد اللّه، تذكر الحديث الذي حدثتني؟قال: فأزم [٢] على القضيب عضّا؛ ثم أقلع عنه و قد أثر فيه، فقال: ويحك يا معاوية!أي شيء ذكرتني!لو لا أن يقول الناس: خاف أن يؤخذ عليه، لخرجت إلى الناس منها!قال: فأبى قضاء اللّه إلا ما ترى.
و مما نقم الناس على عثمان: أنه آوى طريد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم الحكم بن أبي العاص- و لم يؤوه أبو بكر و لا عمر-و أعطاه مائة ألف؛ و سيّر أبا ذرّ إلى الرّبذة، و سيّر عامر ابن عبد قيس من البصرة إلى الشام؛ و طلب منه عبد اللّه بن خالد بن أسيد صلة فأعطاه أربعمائة ألف؛ و تصدّق رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم بمهزون-موضع سوق المدينة-على
[١] نكس: عبس و بسر.
[٢] أزم: عضّ بالفم كلّه عضّا شديدا.