العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٢٤٧ - سنة خمس و ثلاثمائة
أغزى بجند نحوها مولاه # في عقب هذا العام لا سواه
بدرا، فضمّ جانبيه ضمّه # و غمّها حتى أجابت حكمه
و أسلمت صاحبها مقهورا # حتى أتى بدر به مأسورا
سنة خمس و ثلاثمائة
و بعدها كانت غزاة خمس # إلى السّواديّ عقيد النّحس
لمّا طغى و جاوز الحدودا # و نقض الميثاق و العهودا
و نابذ السّلطان من شقائه # و من تعدّيه و سوء رائه
أغزى إليه القرشيّ القائدا # إذ صار عن قصد السبيل حائدا
ثمّت شدّ أزره ببدر # فكان كالشّفع لهذا الوتر [١]
أحدقها بالخيل و الرجال # مشمّرا و جدّ في القتال
فنازل الحصن العظيم الشّأن # بالرّجل و الرّماة و الفرسان
فلم يزل بدر بها محاصرا # كذا على قتاله مثابرا
و الكلب في تهوّر قد انغمس # و ضيّق الحلق عليه و النّفس
فافترق الأصحاب عن لوائه # و فتحوا الأبواب دون رائه
و اقتحم العسكر في المدينة # و هو بها كهيئة الظّعينه [٢]
مستسلما للذلّ و الصّغار # و ملقيا يديه للإسار
فنزع الحاجب تاج ملكه # و قاده مكتّفا لهلكه [٣]
و كان في آخر هذا العام # نكب أبي العبّاس بالإسلام
غزا فكان أنجد الأنجاد # و قائدا من أفحل القوّاد
فسار في غير رجال الحرب # الضاربين عند وقت الضرب
محاربا في غير ما محارب # و الحشم الجمهور عند الحاجب
[١] الشفع و الوتر: المزدوج و المفرد.
[٢] الظعينة: الراحلة يرتحل عليها.
[٣] الهلك: الهلاك.