العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٢٨٠ - أخبار الحجاج
تجهّز فإمّا أن تزور ابن ضابئ # عميرا، و إمّا أن تزور المهلّبا
هما خطّتا خسف نجاؤك منهما # ركوبك حوليّا من الثلج أشهبا [١]
ثم قال: دلوني على رجل أوليه الشرطة. فقيل له: أيّ الرجال تريد؟قال: أريد دائم العبوس، طويل الجلوس، سمين الأمانة، أعجف [٢] الخيانة، لا يحنق في الحق على حرّ أو حرّة، يهون عليه سبال [٣] الأشراف في الشفاعة. فقيل: عليك بعبد الرحمن بن عبيد التميمي فأرسل إليه يستعمله، فقال له: لست أقبلها إلا أن تكفيني عيالك و ولدك و حاشيتك. فقال الحجاج: يا غلام، ناد: من طلب إليه منهم حاجة فقد برئت الذمّة منه. قال الشعبي: فو اللّه ما رأيت قط صاحب شرطة مثله، كان لا يحبس إلا في دين، و كان إذا أتي برجل نقب على قوم، وضع منقبته [٤] في بطنه حتى تخرج من ظهره، و كان إذا أتي برجل نباش حفر له قبرا و دفنه فيه حيا، و إذا أتي برجل قاتل بحديدة أو شهر سلاحا قطع يده؛ فربما أقام أربعين يوما لا يؤتي إليه بأحد، فضم الحجاج إليه شرطة البصرة مع شرطة الكوفة.
و لما قدم عبد الملك بن مروان المدينة نزل دار مروان، فمرّ الحجاج بخالد بن يزيد بن معاوية و هو جالس في المسجد، و على الحجاج سيف محلى و هو يخطر متبخترا في المسجد، فقال رجل من قريش لخالد: من هذا التختارة [٥] ؟فقال: بخ بخ!هذا عمرو بن العاص!فسمعه الحجاج: فمال إليه فقال: قلت: هذا عمرو بن العاص!و اللّه ما سرّني أنّ العاص ولدني و لا ولدته و لكن إن شئت أخبرتك من أنا: أنا ابن الأشياخ من ثقيف، و العقائل [٦] من قريش، و الذي ضرب مائة بسيفه هذا كلهم يشهدون على
[١] الأشهب: المجدب، أو ذو برد و ريح.
[٢] أعجف: رقيق.
[٣] السبال: جمع سبلة، و هي طرف الشارب من الشعر.
[٤] منقبة: ما ينقب به.
[٥] التختارة: الذي يمشي مشية الكسلان.
[٦] العقائل: جمع عقلية و هي الزوجة المحذرة و السيدة الكريمة.