العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٢٨٢ - أخبار الحجاج
بسم اللّه الرحمن الرحيم، من عبد اللّه، عبد الملك بن مروان إلى الحجاج بن يوسف: أمّا بعد، فقد أصبحت بأمرك برما [١] ، يقعدني الإشفاق، و يقيمني الرجاء، و إذا عجزت في دار السعة و توسّط الملك و حين المهل و اجتماع الفكر أن ألتمس العذر في أمرك؛ فأنا لعمر اللّه في دار الجزاء و عدم السلطان و اشتغال الحامّة [٢] و الركون إلى الذلة من نفسي و التوقع لما طويت عليه الصحف أعجز؛ و قد كنت أشركتك فيما طوّقني اللّه عز و جل حمله و لاث [٣] بحقوى من أمانته في هذا الخلق المرعيّ، فدللت منك على الحزم و الجدّ في إماتة بدعة و إنعاش سنة، فقعدت عن تلك و نهضت بما عاندها، حتى صرت حجة الغائب، و عذر اللاعن و الشاهد القائم.
فلعن اللّه أبا عقيل و ما نجل [٤] ، فألأم والد و أخبث نسل، فلعمري ما ظلمكم الزمان، و لا قعدت بكم المراتب، فقد ألبستكم ملبسكم، و أقعدتكم على روابي خططكم، و أحلّتكم أعلى منعتكم، فمن حافر و ناقل و ماتح [٥] للقلب المقعدة في القيافي المتفيهقة [٦] ، ما تقدّم فيكم الإسلام و لقد تأخرتم، و ما الطائف منا ببعيد يجهل أهله؛ ثم قمت بنفسك، و طمحت بهمّتك، و سرّك انتضاء سيفك، فاستخرجك أمير المؤمنين من أعوان روح بن زنباع و شرطته، و أنت على معاونته يومئذ محسود، فهفا [٧] أمير المؤمنين و اللّه يصلح بالتوبة و الغفران زلّته، و كأني بك و كأن ما لو لم يكن لكان خيرا مما كان؛ كلّ ذلك من تجاسرك و تحاملك على المخالفة لرأي أمير المؤمنين، فصدعت صفاتنا، و هتكت حجبنا، و بسطت يديك تحفن [٨] بهما من كرائم ذوي الحقوق اللازمة و الأرحام الواشجة، في أوعية ثقيف؛ فاستغفر اللّه لذنب ما له عذر، فلئن استقال أمير المؤمنين فيك الرأي، فلقد جالت البصيرة في ثقيف بصالح النبيّ صلّى اللّه عليه و سلم، إذ ائتمنه على الصدقات و كان عبده، فهرب بها عنه، و ما هو إلا اختيار
[١] البرم: الضجر، و الملول.
[٢] الحامّة: الخاصة من الأهل و الولد.
[٣] لاث: لفّ و عصب.
[٤] نجل الولد: نسله.
[٥] الماتح: المستخرج الماء من البئر. و القلب: جمع جمع قليب، و هو البئر.
[٦] المتفيهقة: الواسعة.
[٧] هفا: ارتكب هفوة.
[٨] تحفن: تعطي.