العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٢٨٣ - أخبار الحجاج
للثقة، و المطّلب لمواضع الكفاية: فقعد فيه الرجاء كما قعد بأمير المؤمنين فيما نصبك له، فكأنّ هذا ألبس أمير المؤمنين ثوب العزاء، و نهض بعذره إلى استنشاق نسيم الرّوح؛ فاعتزل عمل أمير المؤمنين و اظعن عنه باللعنة اللازمة، و العقوبة الناهكة إن شاء اللّه، إذ استحكم لأمير المؤمنين ما يحاول من رأيه، و السلام.
و دعا عبد الملك مولى له يقال له نباتة، له لسان و فضل رأي، فناوله الكتاب، ثم قال له: يا نباتة، العجل ثم العجل، حتى تأتي العراق، فضع هذا الكتاب في يد الحجاج، و ترقب ما يكون منه، فإذا أجبل [١] عند قراءته و استيعاب ما فيه، فاقلعه عن عمله و انقلع معه حتى تأتي به، و هدّن [٢] الناس حتى يأتيهم أمري، بما تصفني به في حين انقلاعك، من حبّي لهم السلامة؛ و إن هش للجواب و لم تكتنفه أربة [٣]
الحيرة، فخذ منه ما يجيب به و أقرره على عمله، ثم اعجل علي بجوابه.
قال نباتة: فخرجت قاصدا إلى العراق، فضمتني الصحارى و الفيافي، و احتواني القرّ، و أخذ مني السفر، حتى وصلت؛ فلما وردته أدخلت عليه في يوم ما يحضره فيه الملأ، و على شحوب مضنى، و قد توسط خدمه من نواحيه و تدثر بمطرف خز ادكن [٤] ، و لاث به الناس من بين قائم و قاعد؛ فلما نظر إليّ-و كان لي عارفا-قعد، ثم تبسّم تبسّم الوجل، ثم قال: أهلا بك يا نباتة، أهلا بمولى أمير المؤمنين لقد أثّر فيك سفرك، و أعرف أمير المؤمنين بك ضنينا، فليت شعري ما دهمك أو دهمني عنده؟قال: فسلّمت و قعدت، فسأل: ما حال أمير المؤمنين و خوله؟... فلما هدأ أخرجت له الكتاب فناولته إياه، فأخذه مني مسرعا و يده ترعد، ثم نظر في وجوه الناس فما شعرت إلا و أنا معه ليس معنا ثالث، و صار كل من يطيف به من خدمه يلقاه جانبا، لا يسمعون منا الصوت؛ ففك الكتاب فقرأه، و جعل يتثاءب و يردد تثاؤبه، و يسيل العرق على جبينه و صدغيه-على شدة البرد-من تحت قلنسوته من
[١] أجبل: انقطع.
[٢] هدّن: أسكن.
[٣] الأربة: العقدة التي لا تنحل حتى تحل حلا.
[٤] أدكن: الذي اغبرّ لونه.