العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٢١٩ - أخبار الدولة العباسية
له أبنية في الطريق و معهم اللبن المسموم، فكلما مر بقوم قالوا: هل لكم في الشراب!قالوا: جزيتم خيرا!ثم بآخرين فعرضوا عليه فقال: هاتوا. فلما شرب و استقر بجوفه، قال لأصحابه: إني ميت، فانظروا من القوم!فنظروا فإذا هم قد قوّضوا [١] أبنيتهم و ذهبوا، فقال: ميلوا بي إلى ابن عمي و ما أحسبني أدركه! فأسرعوا حتى أتوا الحميمة [٢] من أرض الشراة، و بها محمد بن علي بن عبد اللّه بن العباس، فنزل بها، فقال: يا بن عمي، إني ميت؛ و قد صرت إليك؛ و أنت صاحب هذا الأمر، و ولدك القائم به، ثم أخوه من بعده، و اللّه ليتمّنّ اللّه هذا الأمر حتى تخرج الرايات السود من قعر خراسان، ثم ليغلبنّ على ما بين حضرموت و أقصى أفريقية، و ما بين الهند و أقصى فرغانة [٣] ، فعليك بهؤلاء الشيعة و استوص بهم خيرا، فهم دعاتك و أنصارك، و لتكن دعوتك خراسان لا تعدوها، لا سيما مرو، و استبطن هذا الحيّ من اليمن فإن كان ملك لا يقوم به فمصيره إلى انتقاض [٤] ، و انظر هذا الحي من ربيعة فألحقهم بهم، فإنهم معهم في كل أمر؛ و انظر هذا الحيّ من قيس و تميم فأقصهم إلا من عصم اللّه منهم، و ذلك قليل ثم مرهم أن يرجعوا فليجعلوا اثنى عشر نقيبا، و بعدهم سبعين نقيبا؛ فإن اللّه لم يصلح أمر بني إسرائيل إلا بهم، و قد فعل ذلك النبي صلّى اللّه عليه و سلم، فإذا مضت سنة الحمار فوجه رسلك من خراسان، منهم من يقتل و منهم من ينجو، حتى يظهر اللّه دعوتكم. قال محمد بن علي: يا أبا هاشم، و ما سنة الحمار؟قال: إنه لم تمض مائة سنة من نبوّة قط إلا انتقض أمرها، لقول اللّه عز و جل: أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلىََ قَرْيَةٍ وَ هِيَ خََاوِيَةٌ عَلىََ عُرُوشِهََا قََالَ أَنََّى يُحْيِي هََذِهِ اَللََّهُ بَعْدَ مَوْتِهََا فَأَمََاتَهُ اَللََّهُ مِائَةَ عََامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قََالَ كَمْ لَبِثْتَ قََالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قََالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عََامٍ فَانْظُرْ إِلىََ طَعََامِكَ وَ شَرََابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَ اُنْظُرْ إِلىََ حِمََارِكَ وَ لِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنََّاسِ [٥] .
[١] قوضوا: هدموا.
[٢] الحميمة: بلد من أرض الشراة من أعمال عمان في أطراف الشام.
[٣] فرغانة: مدينة واسعة متاخمة لبلاد تركستان.
[٤] انتقض الشيء: فسد بعد إحكامه.
[٥] سورة البقرة الآية ٢٥٩.