العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٢٨٩ - خالد القسري في شأن الحجاج
و في يد الأمير ما أرى!فضحك و أغمد سيفه. و قال: اجلس، ما كان من حديث الخبيث؟فقلت له: أيها الأمير، و اللّه ما غششتك منذ استصحبتني و لا كذبتك منذ استخبرتني، و لا خنتك منذ ائتمنتني؛ ثم حدثته؛ فلما صرت إلى ذكر الرجل الذي المال عنده أعرض عني بوجهه، و أومأ [١] إلي بيده، و قال: لا تسمّه. ثم قال: إن للخبيث نفسا، و قد سمع الأحاديث.
شيء عن الحجاج:
و يقال: إن الحجاج كان إذا استغرب ضحكا و الى بين استغفار، و كان إذا صعد المنبر تلفع بمطرفه [٢] ، ثم تكلم رويدا فلا يكاد يسمع، حتى يتزايد في الكلام فيخرج يده من مطرفه، ثم يزجر الزجرة فيقرع بها أقصى من في المسجد.
خالد القسري في شأن الحجاج:
صعد خالد بن عبد اللّه القسري المنبر في يوم الجمعة و هو إذ ذاك على مكة؛ فذكر الحجاج، فحمد طاعته و أثنى عليه خيرا؛ فلما كان في الجمعة الثانية ورد عليه كتاب سليمان بن عبد الملك، يأمره فيه بشتم الحجاج و نشر عيوبه و إظهار البراءة منه:
فصعد المنبر فحمد اللّه و أثنى عليه، ثم قال:
إن إبليس كان ملكا من الملائكة، و كان يظهر من طاعة اللّه ما كانت الملائكة ترى له به فضلا، و كان اللّه قد علم من غشّه و خبثه ما خفي على ملائكته، فلما أراد اللّه فضيحته أمره بالسجود لآدم، فظهر لهم ما كان يخفيه عنهم، فلعنوه؛ و إن الحجاج كان يظهر من طاعة أمير المؤمنين ما كنا نرى له به فضلا، و كان اللّه قد أطلع أمير المؤمنين من غشه و خبثه على ما خفي عنا؛ فلما أراد اللّه فضيحته أجرى ذلك على يدي أمير المؤمنين، فلعنه، فالعنوه لعنه اللّه!ثم نزل.
[١] أومأ: أشار.
[٢] المطرف: رداء من خزّ مربع ذو أعلام.