العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٢٨٧ - أخبار الحجاج
آل مروان، فأخذت ثقيف فضلا صار لها، لولاهم للقطته السابلة [١] ؛ و لقد كان ما أنكره أمير المؤمنين من تحاملي، و كان ما لو لم يكن لعظم الخطب فوق ما كان؛ و إن أمير المؤمنين لرابع أربعة: أحدهم ابنة شعيب النبي صلّى اللّه عليه و سلم؛ إذ رمت بالظن غرض اليقين تفرّسا في النجيّ المصطفى بالرسالة، فحقّ لها فيه الرجاء، و زالت شبهة الشك بالاختبار؛ و قبلها العزيز في يوسف؛ ثم الصدّيق في الفاروق، رحمة اللّه عليهما؛ و أمير المؤمنين في الحجاج. و ما حسد الشيطان يا أمير المؤمنين خاملا، و لا شرق [٢] بغير شجى؛ فكم غبطة يا أمير المؤمنين للرجيم أدبر منها و له عواء و قد قلت حيلته، و وهن كيده يوم كيت و كيت؛ و لا أظن أذكر لها من أمير المؤمنين. و لقد سمعت لأمير المؤمنين في صالح-صلوات اللّه عليه-و في ثقيف مقالا، هجم بي الرجاء لعذله عليه بالحجة في ردّه، بمحكم التنزيل في لسان ابن عمه خاتم النبيين و سيد المرسلين؛ صلّى اللّه عليه و سلم. فقد أخبر عن اللّه عز و جل؛ و حكاية غرّ الملأ من قريش عند الاختيار و الافتخار، و قد نفخ الشيطان في مناخرهم، فلم يدعوا خلف ما قصدوا إليه مرمى، فقالوا لَوْ لاََ نُزِّلَ هََذَا اَلْقُرْآنُ عَلىََ رَجُلٍ مِنَ اَلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [٣] . فوقع اختيارهم-عند المباهاة بنفخة الكفر، و كبر الجاهلية، على الوليد بن المغيرة المخزومي، و أبي مسعود الثقفي؛ فصارا في الافتخار بهما صنوين، ما أنكر اجتماعهما من الأمة منكر في خبر القرآن و مبلّغ الوحي، و إن كان ليقال للوليد في الأمة يومئذ:
ريحانة قريش؛ و ما ردّ ذلك العزيز تعالى إلا بالرحمة الشاملة في القسم السابق، فقال عز و جل: أَ هُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ؟نَحْنُ قَسَمْنََا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي اَلْحَيََاةِ اَلدُّنْيََا [٤] . و ما قدمتني يا أمير المؤمنين ثقيف في الاحتجاج لها، و إن لها مقالا رحبا، و معاندة قديمة؛ إلا أن هذا من أيسر ما يحتج به العبد المشفق على سيده المغضب، و الأمر إلى أمير المؤمنين، عزل أم أقرّ، و كلاهما عدل متبع، و صواب معتقد. و السلام عليك يا أمير المؤمنين و رحمة اللّه.
[١] السابلة: الذين يمرّون على السابلة، و هي الطريق المسلوك.
[٢] شرق: غصّ.
[٣] سورة الزخرف الآية ٣١.
[٤] سورة الزخرف الآية ٣٢.