العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٥٤ - تبرؤ عليّ من دم عثمان
عثمان فبايعه؛ اللهم إن قلت إني لم أجد في نفسي فقد كذبت، و لكنني نظرت في أمري فوجدت طاعتي قد تقدمت معصيتي، و وجدت الأمر الذي كان بيدي قد صار بيد غيري، فسلمت و بايعت، و أطعت و سمعت: فكنت آخذ إذا أعطاني، و أغزوا إذا أغزاني، و أقيم الحدود بين يديه، ثم نقم الناس عليه أمورا فقتلوه، ثم بقيت اليوم أنا و معاوية، فأرى نفسي أحقّ بها من معاوية؛ لأني مهاجري و هو أعرابي، و أنا ابن عمّ رسول اللّه و صهره، و هو طليق ابن طليق [١] .
قال له عبد اللّه بن الكواء: صدقت، و لكن طلحة و الزبير، أ ما كان لهما في هذا الأمر مثل الذي لك؟ قال: إن طلحة و الزبير بايعاني في المدينة، و نكثا بيعتي بالعراق؛ فقاتلتهما على نكثهما و لو نكثا بيعة أبي بكر و عمر لقاتلاهما على نكثهما كما قاتلتهما. قال: صدقت.
و رجع إليه.
و استعمل عبد الملك بن مروان نافع بن علقمة بن صفوان على مكة، فخطب ذات يوم و أبان بن عثمان قاعد عند أصل المنبر، فنال من طلحة و الزبير، فلما نزل قال لأبان: أرضيتك من المدهنين [٢] في أمر أمير المؤمنين؟قال: لا، و لكنك سؤتني، حسبي أن يكونا بريئين من أمره.
و على هذا المعنى قال إسحاق بن عيسى: أعيذ عليّا باللّه أن يكون قتل عثمان و أعيذ عثمان أن يكون قلته عليّ! و هذا الكلام على مذهب قول النبي صلّى اللّه عليه و سلم: إن أشد الناس عذابا يوم القيامة رجل قتل نبيّا أو قتله نبيّ.
سعيد بن جبير عن أبي الصهباء، أن رجالا ذكروا عثمان، فقال رجل من القوم:
[١] الطليق: الذي خليّ عنه يوم فتح مكة و أطلق و لم يسترق.
[٢] المدهن: الغشّاش و الخداع.