العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٢٧٢ - أخبار زياد
أخطئوا؛ و اللّه لا أكلمه أبدا و لا يصلّي عليّ!فلما رجع أنس إلى زياد أخبره بما قال، و قال له: إنه قبيح أن يموت مثل أبي بكرة بالبصرة، فلا تصلي عليه و لا تقوم على قبره؛ فاركب دوابك و الحق بالكوفة. قال: ففعل. و مات أبو بكرة بالغد عند صلاة الظهر، فصلى عليه أنس بن مالك.
و قدم شريح مع زياد من الكوفة لقضاء البصرة، فكان زياد يجلسه إلى جنبه و يقول له: إن حكمت بشيء ترى غيره أقرب إلى الحق منه فأعلمنيه. فكان زياد يحكم فلا يرد شريح عليه، فيقول زياد لشريح: ما ترى؟فيقول: هذا الحكم، حتى أتاه رجل من الأنصار فقال: إني قدمت البصرة و الخطط [١] موجودة، فأردت أن أختط لي، فقال لي بنو عمي و قد اختطوا و نزلوا: أين تخرج عنا؟أقم معنا و اختط عندنا فوسّعوا لي، فاتخذت فيهم دارا و تزوّجت، ثم نزغ [٢] الشيطان بيننا، فقالوا لي: اخرج عنا!فقال زياد: ليس ذلك لكم، منعتموه أن يختط و الخطط موجودة و في أيديكم فضل فأعطيتموه، حتى إذا ضاقت الخطط أخرجتموه و أردتم الإضرار به؟لا يخرج من منزله!فقال شريح: يا مستعير القدر ارددها. فقال زياد: يا مستعير القدر احبسها و لا ترددها!فقال محمد بن سيرين: القضاء بما قال شريح، و قول زياد حسن.
و قال زياد: ما غلبني أمير المؤمنين معاوية إلا في واحدة: طلبت رجلا فلجأ إليه و تحرّم [٣] به، فكتب إليه: إن هذا فساد لعملي: إذا طلبت أحدا لجا إليك فتحرم بك، فكتب إليّ: إنه لا ينبغي لنا أن نسوس الناس بسياسة واحدة، فيكون مقامنا مقام رجل واحد؛ و لكن تكون أنت للشدة و الغلظة، و أكون أنا للرأفة و الرحمة، فيستريح الناس فيما بيننا.
و لما عزل عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه زيادا من كتابة أبي موسى، قال له: أعن
[١] الخطط: جمع خطة: و هي الأمر أو الحالة.
[٢] نزغ: أفسد و حمل بعضهم على بعض.
[٣] تحرم به: تحمى و تمنع.