العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٤٤ - القوّاد الذين أقبلوا إلى عثمان
و اللّه لا أقوم معكم. قالوا: فلم كتبت إلينا؟قال: و اللّه ما كتبت إليكم كتابا قط. قال: فنظر القوم بعضهم إلى بعض، و خرج عليّ من المدينة.
الأعمش عن عيينة عن مسروق قال: قالت عائشة: مصتموه موص [١] الإناء حتى تركتموه كالثوب الرخيض [٢] ، نقيّا من الدنس؛ ثم عدوتم فقتلتموه!قال مروان:
فقلت لها: هذا عملك، كتبت إلى الناس تأمرينهم بالخروج عليه!فقالت: و الذي آمن به المؤمنون و كفر به الكافرون، ما كتبت إليهم بسواد في بياض، حتى جلست في مجلسي هذا.
فكانوا يرون أنه كتب على لسان عليّ، و على لسانها، كما كتب أيضا على لسان عثمان مع الأسود إلى عامل مصر؛ فكان اختلاق هذه الكتاب كلها سببا للفتنة.
و قال أبو الحسن: أقبل أهل مصر عليهم عبد الرحمن بن عديس البلوى، و أهل البصرة عليهم حكيم بن جبلة العبدي، و أهل الكوفة عليهم الأشتر-و اسمه مالك بن الحارث النخعي-في أمر عثمان، حتى قدموا المدينة.
قال أبو الحسن: لما قدم وفد أهل مصر، دخلوا على عثمان فقالوا: كتبت فينا بكذا و كذا؟قال: إنما هما اثنتان: أن تقيموا رجلين من المسلمين، أو يميني باللّه الذي لا إله إلا هو ما كتبت و لا أمليت و لا علمت؛ و قد يكتب الكتاب على لسان الرجل، و ينقش الخاتم على الخاتم. قالوا: قد أحل اللّه دمك!و حصروه في الدار، فأرسل عثمان إلى الأشتر فقال: ما يريد الناس مني؟قال: واحدة من ثلاث ليس عنها بدّ.
قال: ما هي؟قال: يخيّرونك بين أن تخلع لهم أمرهم، فتقول: هذا أمركم فقلّدوه من شئتم؛ و إما أن تقتص من نفسك؛ فإن أبيت[هاتين]فالقوم قاتلوك. قال: أما أن أخلع لهم أمرهم فما كنت لأخلع سربالا سربلنيه اللّه فتكون سنة من بعدي، كلما كره القوم إمامهم خلعوه: و أما أن أقتص من نفسي فو اللّه لقد علمت أن صاحبي بين
[١] الموص: غسل لين، و الدلك باليد.
[٢] الرخيض: المغسول.