العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٣٤ - أمر الشورى في خلافة عثمان بن عفان
اللّه إليه، و قدّم أبا بكر للصلاة فرضوه لأمر دنياهم إذ رضيه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم لأمر دينهم، فعمل بسنة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم، و سار بسيره حتى قبضه اللّه، و استخلف عمر فعمل بمثل سيرته، ثم جعلها شورى بين ستة نفر، فلم يكن رجل منهم إلا رجاها لنفسه، و رجاها له قومه، و تطلعت إلى ذلك نفسه: و لو أن عمر استخلف عليهم كما استخلف أبو بكر ما كان في ذلك اختلاف. و قال المغيرة بن شعبة: إني لعند عمر بن الخطاب ليس عنده أحد غيري، إذ أتاه آت فقال: هل لك يا أمير المؤمنين في نفر من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم يزعمون أن الذي فعل أبو بكر في نفسه و فيك لم يكن له، و أنه كان بغير مشورة و لا مؤامرة؟و قالوا تعالوا نتعاهد ألا نعود إلى مثلها. قال عمر: و أين هم؟قال: في دار طلحة. فخرج نحوهم و خرجت معه و ما أعلمه يبصرني من شدّة الغضب، فلما رأوه كرهوه و ظنوا الذي جاء له، فوقف عليهم و قال: أنتم القائلون ما قلتم؟و اللّه لن تتحابوا حتى يتحابّ الأربعة: الإنسان و الشيطان، يغويه و هو يلعنه؛ و النار و الماء يطفئها و هي تحرقه؛ و لم يأن لكم بعد و قد آن ميعادكم ميعاد المسيح متى هو خارج. قال: فتفرقوا فسلك كل واحد منهم طريقا؛ قال المغيرة:
ثم قال لي: أدرك ابن أبي طالب فاحبسه عليّ. فقلت: لا يفعل أمير المؤمنين و هو مغدّ [١] ، فقال: أدركه و إلا قلت لك يا بن الدباغة. قال: فأدركته فقلت له: قف مكانك لإمامك و احلم، فإنه سلطان و سيندم و تندم. قال: فأقبل عمر فقال: و اللّه ما خرج هذا الامر إلا من تحت يدك. قال عليّ: اتق أن لا تكون الذي نعطيك فنفتنك. قال: و تحب أن تكون هو؟قال: لا، و لكننا نذكرك الذي نسيت. فالتفت إليّ عمر فقال: انصرف فقد سمعت منا عند الغضب ما كفاك. فتنحيت قريبا، و ما وقفت إلا خشية أن يكون بينهما شيء فأكون قريبا، فتكلما كلاما غير غضبانين و لا راضين ثم رأيتهما يضحكان و تفرّقا؛ و جاءني عمر، فمشيت معه و قلت: يغفر اللّه لك، أغضبت؟قال: فأشار إلى عليّ و قال: أما و اللّه لو لا دعابة فيه ما شككت في ولايته و إن نزلت على رغم أنف قريش.
[١] مغدّ: غضبان.