العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٨٧ - يوم صفين
أيها الناس، اتقوا السيوف بوجوهكم، و الرماح بصدوركم، و موعدي و إياكم الراية الحمراء [١] .
فقال رجل من أهل العراق: ما رأيت كاليوم خطيبا يخطبنا، يأمرنا أن نتقي السيوف بوجوهنا، و الرماح بصدورنا، و يعدنا راية بيننا و بينها مائة ألف سيف.
قال أبو عبيدة في التاج: جمع علي بن أبي طالب رئاسة بكر كلها يوم صفين لحضين بن المنذر بن الحارث بن وعلة، و جعل ألويتها تحت لوائه، و كانت له راية سوداء يخفق ظلّها إذا أقبل، فلم يغن أحد في صفين غناءه؛ فقال فيه علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه:
لمن راية سوداء يخفق ظلّها # إذا قيل قدّمها حضين تقدّما
يقدّمها في الصفّ حتى يزيرها # حياض المنايا تقطر السّمّ و الدّما
جزى اللّه عني و الجزاء بكفه # ربيعة خيرا، ما أعفّ و أكرما
و كان من همدان في صفين[بلاء]حسن، فقال فيهم علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه:
لهمدان أخلاق و دين يزينهم # و بأس إذا لاقوا و حسن كلام
فلو كنت بوّابا على باب جنّة # لقلت لهمدان ادخلوا بسلام
أبو الحسن قال: كان عليّ بن أبي طالب يخرج كل غداة لصفين في سرعان الخيل [٢] ، فيقف بين الصفين ثم ينادي: يا معاوية، علام يقتتل الناس؟ابرز اليّ أو أبرز إليك، فيكون الأمر لمن غلب. فقال له عمرو بن العاص: أنصفك الرجل!فقال له معاوية: أردتها يا عمرو!و اللّه لا رضيت عنك حتى تبارز عليّا. فبرز إليه متنكرا؛ فلما غشيه عليّ بالسيف رمى بنفسه إلى الأرض و أبدى له سوأته فضرب عليّ وجه فرسه و انصرف عنه؛ فجلس معه معاوية يوما فنظر إليه يضحك؛ فقال عمرو:
[١] يريد راية معاوية.
[٢] سرعان الخيل: أوائلها.