العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١٨١ - أخبار عمر بن عبد العزيز
فقيل لعمر بن عبد العزيز: لو أخذت ما كان يأخذ عمر بن الخطاب؟فقال: إن عمر ابن الخطاب لم يكن له مال، و أنا مالي يغنيني!.
و لما ولي عمر بن عبد العزيز قام إليه رجل فقال: يا أمير المؤمنين أعدني على هذا و أشار إلى رجل، قال: فيم؟قال: أخذ مالي و ضرب ظهري. فدعا به عمر فقال ما يقول هذا؟قال: صدق، إنه كتب إلى الوليد بن عبد الملك: «و طاعتكم فريضة» قال: كذبت!لا طاعة لنا عليكم إلا في طاعة اللّه. و أمر بالأرض فردّت إلى صاحبها.
عبد اللّه بن المبارك عن رجل أخبره، قال: كنت مع خالد بن يزيد بن معاوية في صحن بيت المقدس، فلقينا عمر بن عبد العزيز و لا أعرفه، فأخذ بيد خالد و قال: يا خالد، أ علينا عين؟قلت: عليكما من اللّه عين بصيرة و أذن سميعة!قال: فاستلّ يده من يد خالد و أرعد [١] و دمعت عيناه و مضى، فقلت لخالد: من هذا؟قال: هذا عمر ابن عبد العزيز، و إن عاش فيوشك أن يكون إماما عدلا.
و قال رباح بن عبيدة: اشتريت لعمر قبل الخلافة مطرفا بخمسمائة، فاستخشنه و قال: لقد اشتريته خشنا جدا!و اشتريت له بعد الخلافة كساء بثمانية دراهم، فاستلانه و قال: لقد اشتريته ليّنا جدا!.
و دخل مسلمة بن عبد الملك على عمر و عليه ريطة [٢] من رياط مصر: فقال: بكم أخذت هذا يا أبا سعيد؟قال: بكذا و كذا. قال: فلو نقصت من ثمنها ما كان ناقصا من شرفك. قال مسلمة: إن أفضل الاقتصاد ما كان بعد الجدة، و أفضل العفو ما كان بعد القدرة، و أفضل اللّين ما كان بعد الولاية.
و كان لعمر غلام يقال له درهم يحتطب له، فقال له يوما: ما يقول الناس يا درهم؟قال: و ما يقولون؟الناس كلهم بخير، و أنا و أنت بشر!قال: و كيف ذلك؟
[١] أرعد: أخذته الرعدة.
[٢] الريطة: كل ثوب لين رقيق.