العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٣٥٦ - احتجاج المأمون على الفقهاء في فضل عليّ
قال: حدّثني عن قول اللّه عز و جل: وَ يَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ [١] إلى قوله: ثُمَّ أَنْزَلَ اَللََّهُ سَكِينَتَهُ عَلىََ رَسُولِهِ وَ عَلَى اَلْمُؤْمِنِينَ [٢] . أتعلم من المؤمنون الذين أراد اللّه في هذا الموضوع؟قلت: لا أدري يا أمير المؤمنين؛ قال:
الناس جميعا انهزموا يوم حنين، فلم يبق مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم إلا سبعة نفر من بني هاشم: علي يضرب بسيفه بين يدي رسول اللّه، و العباس آخذ بلجام بغلة رسول اللّه، و الخمسة محدقون به خوفا من أن يناله من جراح القوم شيء، حتى أعطى اللّه لرسوله الظّفر؛ فالمؤمنون في هذا الموضع عليّ خاصة، ثم من حضره من بني هاشم، قال: فمن أفضل: من كان مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم في ذلك الوقت، أم من انهزم عنه و لم يره اللّه موضعا لينزلها عليه؟قلت: بل من أنزلت عليه السكينة.
قال: يا إسحاق، من أفضل: من كان معه في الغار، أم من نام على فراشه و وقاه بنفسه، حتى تمّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم ما أراد من الهجرة؟إن اللّه تبارك و تعالى أمر رسوله أن يأمر عليّا بالنوم على فراشه، و أن يقي [٣] رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم بنفسه؛ فأمره رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم بذلك، فبكى عليّ رضي اللّه عنه؛ فقال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم: ما يبكيك يا عليّ، أجزعا من الموت؟قال: لا، و الذي بعثك بالحق يا رسول اللّه، و لكن خوفا عليك؛ أ فتسلم يا رسول اللّه؟قال: نعم. قال: سمعا و طاعة و طيبة نفسي بالفداء لك يا رسول اللّه. ثم أتى مضجعه و اضطجع، و تسجّى [٤] بثوبه، و جاء المشركون من قريش فحفّوا [٥] به، لا يشكّون أنه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم، و قد أجمعوا أن يضربه من كل بطن من بطون قريش رجل ضربة بالسيف، لئلا يطلب الهاشميون من البطون بطنا بدمه؛ و عليّ يسمع ما القوم فيه من إتلاف نفسه، و لم يدعه ذلك إلى الجزع كما جزع صاحبه في الغار؛ و لم يزل عليّ صابرا محتسبا؛ فبعث اللّه ملائكته
[١] سورة التوبة الآية ٢٥.
[٢] سورة التوبة الآية ٤٠.
[٣] يقي: يحمي.
[٤] تسجى: تغطى.
[٥] حفّوا به: استداروا حوله و أحدقوا به.